التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠ - هل القرآن مشتمل على جميع العلوم؟!
وفي لفظ آخر: من أراد علم الأوّلين والآخرين فليتدّبر القرآن.[١]
و نقل السيوطي عن أبيبكر بنمجاهد (ت ٣٢٤) أنّه قال يوما: ما شيء في العالم إلّا و هو في كتاب اللّه. فقيل له: فأين ذكر الخانات فيه؟ فقال: في قوله تعالى: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ»[٢] فهي الخانات.
وقال بعضهم: ما من شيء إلّا يمكن استخراجه من القرآن لمن فهّمه اللّه، حتّى أنّ بعضهم استنبط عمر النبيّ صلى الله عليه و آله ثلاثا و ستّين سنة من قوله تعالى في سورة المنافقين- وهي السورة ٦٣ حسب الترتيب الموجود-: «وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها»[٣] فإنّها رأس ثلاث و ستّين سورة. وعقّبها بالتغابن ليظهر التغابن في فقده.
و روي عن ابن عبّاس قوله: لو ضاع لي عقالُ بعيرٍ لوجدته في كتاب اللّه.[٤]
*** قال ابن أبيالفضل المرسي[٥] في تفسيره: جمع القرآن علوم الأوّلين والآخرين، بحيث لم يُحط بها علماً حقيقةً إلّا المُتكلّم بها وهو اللّه تعالى، ثمّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله، خلا ما استأثر اللّه به سبحانه وتعالى. ثمّ ورث ذلك عنه معظم الصحابة وأعلامهم كالخلفاء الأربعة وابن عبّاس، حتّى قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب اللّه تعالى. ثمّ ورث عنهم التابعون، ثمّ تقاصرت الهمم وفترت العزائم، وتضاءل أهل العلم، وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه، فنوّعوا علومه، وقامت كلّ طائفة بفنّ من فنونه، فاعتنى قوم بضبط لغاته وتحرير كلماته وتعدادها وإلى أمثال ذلك، من غير تعرّض لمعانيه ولاتدبّر لما اودع فيه، واعتنى النحاة بالمعرب منه والمبني، والمفسّرون بألفاظه، والاصوليّون بما فيه من الأدلّة، وتأمّل طائفة معاني خطابه، وأحكمت طائفة
[١] - إحياء علوم الدين للغزالي، باب ٤، كتاب آداب تلاوة القرآن، ج ١، ص ٢٩٦.
[٢] - النور ٢٩: ٢٤.
[٣] - المنافقون ١١: ٦٣.
[٤] - الإتقان، ج ٤، ص ٢٥- ٢٦.
[٥] - هو محمّد بن محمّد بن عبداللّه بن أبي الفضل المرسي ت ٦٥٥ كان إماماً في القراءة واللغة والنحو وله في التفسير والحديث والأدب تصانيف. معجم الادباء، ج ٥، ص ٣٤٩، رقم ٨٧٥.