التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩ - هل القرآن مشتمل على جميع العلوم؟!
الأول: ماكان المقصود من الكتاب المذكور فيها هو القرآن، غير أنّ المقصود: تبيان كلّ أمر يمسّ شؤون الدين وأحكام الشريعة الغرّاء.
إذ قوله تعالى: «وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ»[١] يعني: تبياناً لكلّ شيء يمسّ أمر الشريعة. قال الطبرسي: ومعناه: ليبيّن كلّ شيء يحتاج إليه من امور الشرع. فإنّهُ ما من شيء يحتاج الخلق إليه في أمر من امور دينهم إلّا وهو مبيّن في الكتاب، إمّا بالتنصيص عليه أو بالإحالة على مايوجب العلم من بيان النبي صلى الله عليه و آله والحجج القائمين مقامه أو إجماع الامّة. فيكون حكم الجميع في الحاصل مستفاداً من القرآن.[٢]
فالحاصل: أنّ اصول المعارف ومباني أحكام الشريعة كلّها مذكورة في القرآن، هذا لاشكّ فيه، ولابدّ أن يكون كذلك، لاأكثر ولاأقلّ.
وذلك، لأنّ القائل- الذي تعهّد هذا البيان- هو الشارع فلا بدّ أن يكون ممّا يمسّ جانب الشرع لاغير .. والروايات بهذا الشأن كثيرة.[٣]
وهذا نظير ماإذا تعهّد طبيب حاذق بأنّه كتب رسالة جمع فيها مايحتاج إليه الناس وأطلق الكلام، فإنّ المنصرف من كلامه هذا والمستفاد منه ليس سوى الامور الراجعة إلى الصحّة والمرض والأدوية والأدواء لاغير، لأنّه هو المستفاد المنصرف إليه كلام مثل الطبيب .. وهكذا الفقيه البارع وغيره من ذوي الاختصاص إنّما تعود تعهّداتهم إلى جانب تخصّصاتهم، ولايتعدّاها في شيء.
وكذا قوله: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ»[٤] لوكان المراد هو القرآن. أمّا لوكان المقصود هو اللوح المحفوظ- كماقيل- فشأنه خارج عن مورد البحث.[٥]
والنمط الثاني من الآيات: ماكان المقصود من الكتاب المذكور فيها هو اللوح المحفوظ، كهذه الآية على قول، وكقوله تعالى: «وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ»[٦]
[١] - النحل ٨٩: ١٦.
[٢] - مجمع البيان، ج ٦، ص ٣٨٠.
[٣] - راجع: الميزان للطباطبائي، ج ١٢، ص ٣٥٠.
[٤] - الأنعام ٣٨: ٦.
[٥] - مجمع البيان للطبرسي، ج ٤، ص ٢٩٨.
[٦] - الأنعام ٥٩: ٦.