التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١ - هل وقع التحدي بالجانب العلمي؟
يقال باختصاصه بجانب البيان فحسب، إذ لمتكن إشارات القرآن العلمية معروفةً عند نزوله لأحد من الناس، وإنّما أثبتها العلم بعد ذلك بعدّة قرون أو سيثبتها عبر الأيّام. فإن كان ذلك دليلًا على إعجازه في مجال قادم فإنّه ليس دليلًا على وقوع التحدّي به في أوّل يومه.
هكذا يقول الدكتور أحمد أبو حجر: إنّ آيات التحدّي إنّما تُسجّل عجز العرب الأوائل عن معارضة القرآن. وبما أنّهم عجزوا وثبت عجزهم- وهم سادة البيان وأرباب الفصاحة- فالعرب اليوم أولى بالعجز. وبذلك قامت الحجّة بهذا الكتاب العزيز.[١]
قال ابن عطية: قامت الحجّة على العالم بالعرب، إذ كانوا أرباب الفصاحة ومظنّة المعارضة، كما قامت الحجّة في معجزة موسى بالسحَرة، وفي معجزة عيسى بالأطباء.[٢]
ويقول الدكتور صبحي صالح: ولاريب أنّ العرب المعاصرين للقرآن قد سُحِروا قبل كلّ شيء باسلوبه الذي حاولوا أن يعارضوه فما استطاعوا، حتى إذا فهموه أدركوا جماله ومسّ قلوبهم بتأثيره ... وهذا مانجده عنصراً مستقلًاّ بنفسه كافياً لإثبات فكرة الإعجاز وخلود القرآن، باسلوبه الذي يَعلو ولايُعلى. أمّا مايتساوق مع هذا العنصر الجمالي الفنّي الرائع من الأغراض الدينيّة والعلمية- التي توسّع فيها بعضهم[٣]- كاشتمال القرآن على العلوم الدينية والتشريعية، وتحقيقه مسائل كانت مجهولة للبشر، وعجز الزمان عن إبطال شيء منه، فهي امور لاسبيل إلى إنكارها، بل يقوم عليها من الأدلّة والبراهين مالايُحصى.
غير أنّها أدخل في معاني الفلسفة القرآنية منها في بلاغة القرآن، وليست هي مادّة التحدّي لفصحاء العرب، وإنّما تحدّى القرآن العرب بأن يأتوا بمثل اسلوبه، وأن يعبّروا بمثل تعبيره، وأن يبلغوا ذروته التي لاتُسامى في التصوير. فما إعجاز هذا الكتاب الكريم إلّا سحره، ولقد فعل سحره هذا فعله في القلوب في أوائل الوحي، قبل أن تنزل آياته
[١] - التفسيرالعلمي للقرآن في الميزان، ص ١٣١.
[٢] - مقدّمتان في علوم القرآن، ص ٢٧٩.
[٣] - انظر: تفسير المنار، ج ١، ص ٢١٠- ٢١٢، الوجه السابع من وجوه الإعجاز التي ذكرها بمنتهى الاختصار والإيجاز، وقدجرى على هذا الزرقاني في مناهل العرفان، ج ٢، ص ٣٥٣- ٣٦١.