التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٣ - لاشعوبية في الإسلام
وهكذا تسقط جميع الفوارق، وتسقط جميع القيم، ويرتفع ميزان واحد بقيمة واحدة، وإلى هذا الميزان يتحاكم البشر، وإلى هذه القيمة يرجع اختلاف البشر في الميزان.
وهكذا تتوارى جميع أسباب النزاع والخصومات في الأرض، وترخص جميع القيم التي يتكالب عليها الناس، ويظهر سبب ضخم واضح للُالفة والتعاون: الوهية اللّه للجميع، وخلقهم من أصل واحد.
كما يرتفع لواء واحد يتسابق الجميع ليقفوا تحته: لواء التقوى في ظلّ اللّه.
وهذا هو اللواء الذي رفعه الإسلام لينقذ البشرية من عقابيل العصبيّة للجنس، والعصبية للأرض، والعصبية للقبيلة، والعصبية للبيت. وكلّها من الجاهلية وإليها، تتزيّا بشتّى الأزياء، وتسمّى بشتّى الأسماء. وكلّها جاهلية عارية من الإسلام.
وقد حارب الإسلام هذه العصبية في كلّ صورها وأشكالها، ليقيم نظامه الإنساني العالمي في ظلّ راية واحدة: راية اللّه، لاراية الوطنية، ولا راية القومية، ولا راية البيت ولا راية الجنس. فكلّها رايات زائفة لايعرفها الإسلام.
قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «كلّكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب. ولينتهينّ قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونوا أهون على اللّه تعالى من الجعائل».
وقال صلى الله عليه و آله عن العصيبة الجاهلية: «دعوها فإنّها منتنة».
وهذه هي القاعدة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي، المجتمع الإنساني العالمي، الذي تحاول البشرية في خيالها المحلّق أن تحقّق لونا من ألوانه فتخفق، لأنّها لاتسلك إليه الطريق الواحد المستقيم، الطريق إلى اللّه، ولأنّها لاتقف تحت الراية الواحدة المجمعة:
راية اللّه.[١]
*** وروي: أنّ النبي صلى الله عليه و آله خطب الناس يوم فتح مكّة، وهو على راحلته، فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله. ثمّ قال:
[١] - في ضلال القرآن، المجلّد ٧، ص ٥٣٧؛ ومجمع البيان، ج ٩، ص ٥٣٧.