التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٥ - (ثانيا) طريقة التفكير واسلوبه
المنهج وأبعاده، فهو منهج يقوم أول ما يقوم على البرهان الوجداني، قال تعالى: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ»،[١] وقال تعالى: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ».[٢]
إذا القرآن هنا يستحثُ الوجدان ويستنطقه، ويدعو الإنسان إلى القيام برحلة داخلية مع نفسه (حوار مع الذات) فيه الصراحة المتناهية. وإنّ هذا الحوار الداخلي هو الآخر يجب أن يتمَّ بصيغة أسئلة يحكمها المنطق، ليكون هناك اتّساق بين الوجدان والعاطفة من جهة، وبين المنطق والعقل من جهة اخرى، أي أن يكون هناك تناغمٌ. والقرآن هنا- كما هو في منهجه العام- يحرصُ دائما على عدم تغييب العقل والتعقّل، على الرغم من اهتمامه بالمعرفة التي مصدرها الوجدان الداخلي والإدراك الخاصّ، قال تعالى: «أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ...».[٣]
وهكذا نجدُ أنَّ القرآن عندما يفرغ من عملية استنهاض وحثّ منطق الوجدان في أيّةِ عمليةِ تأمّل نجده أيضا في عين الوقت يدعو إلى اعتماد الأدلّة والبراهين الفلسفية والعلمية في إثبات المطالب.
إنّ القرآن يقدّم لنا أيضا عينيّةً من هذه البراهين، ويترك مساحةً مناسبةً لحركة العقل والاستعانة بالحواس. وهذا أساس آخر من اسس المنهج:
قال تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ».[٤]
وقال تعالى: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى. كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى»[٥] أي لذوي العقول.
وقال تعالى: «وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا».[٦]
[١] - الزخرف ٨٧: ٤٣.
[٢] - العنكبوت ٦١: ٢٩.
[٣] - إبراهيم ١٠: ١٤.
[٤] - آل عمران ١٩٠: ٣.
[٥] - طه ٥٣: ٢٠ و ٥٤.
[٦] - آل عمران ١٩١: ٣.