التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٤ - (ثانيا) طريقة التفكير واسلوبه
فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»،[١] فهنا دعوة إلى النظر والاستقصاء والتعقّل.
والبُعد الثاني: إنّه يحدّد وظيفة الفرد المسلم على التعيين بضرورة التفكير ويأمره صراحةً بذلك. قال تعالى: «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ...»،[٢] وقال تعالى: «وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا»،[٣] وقال تعالى: «قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ».[٤]
وهنا النظر والتدبّر على سبيل الوجوب، واستنادا إلى ذلك ذهب علماء الملّة الإسلامية إلى «وجوب النظر»[٥] أي الاستدلال وتحصيل البرهان في المسائل الاعتقادية.
إنَّ القرآن الكريم عندما يعرض أمامنا صفحات الكون والوجود، ويُطلعنا على الهندسة العجيبة، وعلى آثار قدرة اللّه تعالى المنبثّة في كلّ شيء من حولنا، بل وفي أنفسنا «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ...»،[٦] إنّه عندما يعرض أمامنا ذلك، فإنّما يدعونا إلى استخلاص الحقائق، واكتشاف القوانين العامّة التي تحكم الوجود، ومن هنا نفهم قول الإمام علي عليه السلام أيضا «استدلّوه- أي القرآن- على ربّكم».[٧]
(ثانيا) طريقة التفكير واسلوبه
إنَّ القرآن الكريم لم يكتف بالدعوة إلى اعتماد منهجٍ سليم للتفكير، واعتبار ذلك وظيفة الفرد المسلم فحسب، بل يضع بأيدينا أيضا الطريقة السليمة العلمية للوصول إلى الحقائق ويُعرّفنا- في هذاالمجال وضمن إطار الفهم العميق لأسرار الوجود- أساسيات
[١] - البقرة ١٦٤: ٢.
[٢] - العنكبوت ٢٠: ٢٩.
[٣] - آل عمران ١٩١: ٣.
[٤] - يونس ١٠١: ١٠.
[٥] - راجع: عقائد الإمامية، للإمام الشيخ محمّدرضا المظفّر، المطبعة الحيدرية، النجف، انتشارات الشريف الرضي- قم ط ٢ سنة ١٤٠٨ ه-. وص ٣١، نشر أنصاريان- قم.
[٦] - فصّلت ٥٣: ٤١.
[٧] - نهج البلاغة، الخطبة رقم ١٧٦، ص ٢٥٢.