الاخلاق - السید عبدالله شبر - الصفحة ٧١ - الفصل الأول في النية
والدواعي والصوارف لها أسباب كثيرة بها تجتمع، ويختلف ذلك بالأشخاص والأحوال والأعمال، فإذا غلبت شهوة النكاح ولم يعتقد غرضاً صحيحاً في الولد لم يمكنه أن يتزوج على نية الولد، بل لا يمكن إلا على نية قضاء الشهوة إذ النية هي إجابة الباعث ولا باعث إلا الشهوة فكيف ينوي الولد.
نعم طريق اكتساب هذه النية مثلاً أن يقوى أولاً إيمانه بالشرع، ويقوى إيمانه بعظم ثواب من سعى في تكثير أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويدفع عن نفسه جميع المنفرات[١٥٣] عن الولد من ثقل المؤونة وطول التعب وغيره، وإذا فعل ذلك فربما انبعث من قلبه رغبة الى تحصيل الولد للثواب، فتحركه تلك الرغبة وتحرك أعضاءه لمباشرة العقد، وإذا انتهضت القدرة المحركة للسان بقبول العقد طاعة لهذا الباعث الغالب على القلب كان ناوياً، وإذا لم يكن كذلك فما يقدره في نفسه ويردده في قلبه من قصد الولد وسواس وهذيان[١٥٤].
ولهذا امتنع جمع من العارفين من الطاعات، حيث لم تحضرهم النية، وكانوا يعتذرون بعدم حضور النية، فإن النية روح الأعمال، والعمل بغير نية صادقة رياء أو تكلف، وهو سبب المقت لا القرب[١٥٥].
[١٥٣] نفر ينفر نفورا ونفارا: إذا فر وذهب.
لسان العرب، ابن منظور: ٥/ ٢٢٤، مادة "نفر".
[١٥٤] الهذيان: كلام غير معقول. مثل كلام المبرسم والمعتوه.
كتاب العين، الفراهيدي: ٤/ ٨١، مادة "هذي".
[١٥٥] قال أمير المؤمنين عليه السلام: «ستة أشياء لم يتبينها أحد قبلي، ولم يبينها أحد بعدي، الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو العمل، والعمل هو النية».
معدن الجواهر، الكراجكي: ٥٤، باب ذكر ما جاء في ستة.
عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث: «والنية أفضل من العمل ألا وأن النية هي العمل، ثم تلا قوله تعالى: ((قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ)) سورة الإسراء /٨٤، يعني: على نيته».
وسائل الشيعة، الحر العاملي: ١/ ٥١، أبواب مقدمة العبادات، باب استحباب نية الخير والعزم عليه/ ح٩٧.
عن علي بن الحسين عليه السلام قال: «لا عمل إلا بنية».
وقال العلامة محمد باقر المجلسي في بيان هذا الحديث:"تبيين لا عمل إلا بنية، أي: لا عمل صحيحة كما فهمه الأكثر إلا بنية، وخص بالعبادات، لأنه لو كان المراد مطلق تصور الفعل وتصور فائدته والتصديق بترتب الغاية عليه وانبعاث العزم من النفس إليه فهذا لازم لكل فعل اختياري، ومعلوم أنه ليس غرض الشارع بيان هذا المعنى بل لابد أن يكون المراد بها نية خاصة خالصة بها يصير العمل كاملا أو صحيحا، والصحة أقرب إلى نفي الحقيقة الذي هو الحقيقة في هذا التركيب، فلا بد من تخصيصها بالعبادات لعدم القول باشتراط نية القربة وأمثالها في غيرها، ولذا استدلوا به وبأمثاله على وجوب النية وتفصيله في كتب الفروع.
وقال المحقق الطوسيP في بعض رسائله:النية،هي:القصد إلى الفعل وهي واسطة بين العلم والعمل إذ ما لم يعلم الشئ لم يمكن قصده وما لم يقصده لم يصدر عنه،ثم لما كان غرض السالك العامل الوصول إلى مقصد معين كامل على الإطلاق وهو الله تعالى لابد من اشتماله على قصد التقرب به.
وقال بعض المحققين: يعني لا عمل يحسب من عبادة الله تعالى ويعد من طاعته بحيث يصح أن يترتب عليه الأجر في الآخرة إلا ما يراد به التقرب إلى الله تعالى والدار الآخرة، أعني: يقصد به وجه الله سبحانه أو التوصل إلى ثوابه أو الخلاص من عقابه. وبالجملة امتثال أمر الله تعالى فيما ندب عباده إليه ووعدهم الأجر عليه، وإنما يأجرهم على حسب أقدارهم ومنازلهم ونياتهم، فمن عرف الله بجماله وجلاله ولطف فعاله فأحبه واشتاق إليه وأخلص عبادته له لكونه أهلا للعبادة ولمحبته له
أحبه الله وأخلصه واجتباه وقربه إلى نفسه وأدناه قربا معنويا ودنوا روحانيا كما قال في حق بعض من هذه صفته: ((وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ)) سورة ص/ ٢٥.
بحار الأنوار، المجلسي: ٦٧/ ١٨٥ ــ ١٨٦، كتاب الإيمان والكفر، أبواب مكارم الأخلاق، باب ٥٣ النية وشرائطها ومراتبها/ ح١.
.