مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٧٢ - القرآن وقوانينه التشريعيّة
الطاعة في حصول الغنى في الدنيا، والتسلّط على الناس باستعبادهم، وتأثير المعصية في تحقّق السقوط من عين الربّ، وسلب الأموال والشؤون المادّية، ولأجل عدم دلالة التوراة على وجود عالم الآخرة والدعوة إلى ما يؤثّر فيه؛ نرى التابعين لها في مثل هذه الأزمنة غير متوجّهين إلّاإلى الجهات الراجعة إلى عالم المادّة والغنى والمكنة، ولا نظر لهم أصلًا إلى عالم الآخرة، ولهم في هذا المجال قصص مضحكة مشهورة.
وفي مقابلها: شريعة الإنجيل ناظرة إلى الآخرة فقط، ولا تعرّض فيها لصلاح حال الدنيا وشؤونها بوجه من الوجوه.
أ مّا القرآن الكريم: فقد نزل في عصر كان الحاكم عليه القوانين الرائجة بين الوثنيّة من ناحية، وقوانين التوراة والإنجيل المحرّفة من ناحية اخرى، وملاحظة نظامه وتشريعه من حيث هو- ولا سيّما مع المقايسة لتلك القوانين الحاكمة في ذلك العصر- ترشد الباحث إرشاداً قطعيّاً إلى كونه نازلًا من عند اللَّه تبارك وتعالى.
أ مّا من جهة اشتماله على نظام الدنيا ونظام الآخرة، وتضمّنه لما يصلح في كلا العالمين، وتكفّله لما يؤثّر في السعادتين؛ فلا موقع للارتياب في البين، ويكفي في الدعوة إلى عالم الآخرة، الذي قد عرفت أ نّه الغرض الأقصى والمطلوب الأهمّ في الأديان والشرائع الإلهيّة، مثل: قوله- تعالى-: «وَ ابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَل- كَ اللَّهُ الدَّارَ الْأَخِرَةَ وَ لَاتَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا» [١].
بل أنّ هذه الآية تدلّ على كلا النظامين، وعلى أهمّية النظام الاخروي ورجحانه على النظام الدنيوي.
[١] سورة القصص ٢٨: ٧٧.