مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٥٨ - التحدّي بالبلاغة
الإسلاميّة- قد كانت بعيدة عن الفضائل العلميّة بمراحل، وعن الكمالات العلميّة الإنسانيّة بفراسخ، بل كما يشهد به التاريخ كانت لهم أعمال وأفعال لا يكاد يصدر من الحيوانات، فضلًا عن المرتبة الدنيا في نوع الإنسان، والطبقة البعيدة عن التمدّن من هذا النوع.
نعم، قد انحصرت فضيلتهم في البلاغة، وامتازوا بالفصاحة، بحيث لم يروا لغيرها قدراً ولا رتّبوا عليه أجراً، وبلغ تقديرهم للشعر أن عمدوا لسبع قصائد من خيرة الشعر القديم، وكتبوها بماء الذهب، وعلّقوها على الكعبة، واشتهرت بالمعلّقات السبع [١]، وكان هذا الأمر رائجاً بينهم، مورداً لاهتمام رجالهم ونسائهم، وكان النابغة الذبياني هو الحكم في الشعر، يأتي سوق عكاظ في الموسم فتضرب له قبّة، فتأتيه الشعراء من كلّ ناحية، وتعرض عليه الأشعار؛ ليحكم فيها، ويرجّح بعضها على بعض
|
وحلّتْ في بني القينِ بن جسرٍ |
فقد نبغت لنا منهم شؤونُ |
[٢].
الثاني: أ نّ مثل هذا التعبير؛ وهو الإتيان بالمثل في مقام المعارضة والاحتجاج، إنّما يحسن توجيهه إلى المخاطب الذي كان له نصيب وافر من سنخ مورد الدعوى، وخلّاق كامل مناسب لما وقع فيه النزاع، فلا يقال مثلًا لمن
[١] العقد الفريد، لابن عبد ربّه ٦: ١٠٣.
خزانة الأدب ١: ٦١، مقدمة ابن خلدون: ٥٨١، الفصل التاسع والأربعون، تاريخ آداب اللغة العربيّة، جرجي زيدان ١: ١٤١- ١٤٢، تاريخ آداب العرب لمصطفى صادق الرافعي ٣: ١٦٥.
[٢] النابغة الذبياني، وهو: زياد بن معاوية بن ضباب الغطفاني، ويكنى أبا أُمامة، وإنّما سمّي بالنابغة، إمّا لقوله:
|
وحلّتْ في بني القينِ بن جسرٍ |
فقد نبغت لنا منهم شؤونُ |
وإمّا لأنّه أكثر من قول الشعر، وكان شعره نظيفاً من العيوب على كثرته، وحتى ورد فيه: أنّه أشعر العرب، وأنّه الحكم الفصل حينما تحتكم إليه الشعراء، حيث كان تضرب له قبّة من أدم بسوق عكاظ، فتقصده الشعراء، فتعرض عليه أشعارها، وتخضع لحكمه.
الأغاني ١١: ٣- ٤١، الأنساب للسمعاني ٢: ٢٧٠، شعراء النصرانيّة قبل الإسلام، القسم الأوّل: ٦٤٠- ٧٣٣، الأعلام للزركلي: ٣/ ٥٤- ٥٥.