مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٢١٨ - أدلّة عدم التحريف ومناقشة القائلين به
واضطراب من قبل شبه المعاندين، فهذا المعنى وإن كان أمراً صحيحاً مطابقاً للواقع، إلّاأنّه لا يرتبط بما هو مفاد الآية الشريفة؛ ضرورة أنّ ما ذكر إنّما هو شأن القرآن ووصف الكتاب، والآية إنّما هي في مقام توصيف اللَّه تبارك وتعالى، وأ نّه المنزل للكتاب العزيز، والحافظ له عن التغيير والتبديل.
وبعبارة اخرى: مرجع ما ذكر إلى أنّ القرآن حافظ لنفسه بنفسه؛ لاستحكام مطالبه، ومتانة معانيه، وعلوّ مقاصده، والآية تدلّ على افتقاره إلى حافظ غيره، وهو اللَّه الذي نزّله، فأين هذا من ذاك؟! فتدبّر جيّداً.
الإيراد الثاني: أنّ مرجع الضمير في قوله: «وَ إِنَّا لَهُ و لَحفِظُونَ» إن كان المراد به هو كلّ فرد من أفراد القرآن من المكتوب والمطبوع وغيرهما، فلا ريب في بطلانه؛ لوقوع التغيير في بعض أفراده قطعاً، بل ربما مزّق أو فرّق، كما صنع الوليد [١] وغيره.
وإن كان المراد به هو حفظه في الجملة، كفى في ذلك حفظه عند الإمام الغائب- عجّل اللَّه تعالى فرجه الشريف- فلا يدلّ على عدم التحريف في الأفراد التي بأيدينا من الكتاب العزيز، والقائل بالتحريف إنّما يدّعيه في خصوص هذه الأفراد، لا ما هو الموجود عند محمّد وآله صلوات اللَّه عليه وعليهم أجمعين [٢].
والجواب: أنّ القرآن ليس أمراً كليّاً قابلًا للصدق على كثيرين، بحيث تكون نسبته إلى النسخ المتكثّرة كنسبة طبيعة الإنسان إلى أفرادها المختلفة، وكانت لها أفراد موجودة، وافراد انعدمت بعد وجودها، أو يمكن أن توجد، بل القرآن هو الحقيقة النازلة على الرسول الأمين، التي قال اللَّه في شأنها: «إِنَّآ أَنزَلْنهُ فِى
[١] الأغاني: ٧/ ٤٩، آداب الدنيا والدين: ٥٠٠- ٥٠١، الكامل في التاريخ: ٤/ ٣٠٧، الجامع لأحكام القرآن: ٩/ ٣٥٠، فوات الوفيات: ٤/ ٢٥٧، خزانة الأدب: ١/ ٣٢٨- ٣٢٩.
[٢] فصل الخطاب الباب الثاني في ذكر أدلّة القائلين بعدم تطرّق التغيير مطلقاً، الأوّل: ٣٣٦.