مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٢١٧ - أدلّة عدم التحريف ومناقشة القائلين به
التلاعب والتغيير والتبديل، بل يحتمل: أوّلًا: أن يكون المراد من الحفظ هو العلم، فمعنى قوله- تعالى-: «وَ إِنَّا لَهُ و لَحفِظُونَ»: إنّا له لعالمون، فلا دلالة فيها حينئذٍ على عدم التحريف بوجه، ولا تعرّض لها من هذه الحيثيّة، وقد ذكر هذا الاحتمال المحقّق القمّي في كتاب «القوانين» [١].
وثانياً: أ نّه على تقدير كون المراد من الحفظ هو الصيانة، لكن يحتمل أن يكون المراد هو صيانته عن القدح فيه، وعن إبطال ما يشتمل عليه من المعاني العالية، والمطالب الشامخة، والتعاليم الجليلة، والأحكام المتينة.
والجواب: أ مّا عن الاحتمال الذي ذكره المحقّق القمّي رحمه الله، فهو وضوح عدم كون الحفظ- لغةً وعرفاً- بمعنى العلم؛ فإنّ المراد منه هو الصيانة، وأين هو من العلم بمعنى الإدراك والاطّلاع؟! ومجرّد الاحتمال إنّما يقدح في الاستدلال إذا كان احتمالًا عقلائيّاً منافياً لانعقاد الظهور للّفظ، ومن الواضح عدم ثبوت هذا النحو من الاحتمال في المقام.
وأمّا عن الاحتمال الثاني، فهو أنّه إن كان المراد من صيانته عن القدح والإبطال هو الحفظ عن قدح الكفّار والمعاندين- بمعنى أ نّه لم يتحقّق في الكتاب قدح من ناحيتهم بوجه، والسبب فيه هو اللَّه تبارك وتعالى؛ فإنّه منعهم عن ذلك- فلا ريب في بطلان ذلك؛ لأنّ قدحهم في الكتاب فوق حدّ الإحصاء، والكتب السخيفة المؤلّفة لهذه الأغراض الشيطانيّة كثيرة.
وإن كان المراد أ نّ القرآن لأجل اتّصاف ما يشتمل عليه من المعاني بالقوّة والاستحكام والمتانة، لا يمكن أن يصل إليه قدح القادحين، ولا يقع فيه تزلزل
[١] قوانين الاصول: ١/ ٤٠٥، المقصد الثاني من الباب السادس، قانون ٢.