مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ١٩٠ - الأمر الثالث حكم العقل
فكما أنّ قوله: «رأيت أسداً» ظاهر في المعنى الحقيقي، فكذلك قوله: «رأيت أسداً يرمي» ظاهر في المعنى المجازي؛ ضرورة أنّ المتفاهم العرفي منه هو الرجل الشجاع، من دون فرق بين أن نقول بأنّه ليس له إلّاظهور واحد ينعقد للجملة بعد تمامها؛ نظراً إلى أنّ ظهور «أسد» في معناه الحقيقي متوقّف على تماميّة الجملة، وخلوّها عن القرينة على الخلاف، وفي صورة وجود تلك القرينة لا ظهور له أصلًا، بل الظهور ينعقد ابتداءً في خصوص المعنى المجازي.
أو نقول بوجود ظهورين: ظهور لفظ «الأسد» في معناه الحقيقي، وظهور «يرمي» في المعنى المجازي، غاية الأمر كون الثاني أقوى، ولأجله يتقدّم على الظهور الأوّل، وفي الحقيقة كلّ من اللّفظين ظاهر في معناه الحقيقي، لكن يكون ظهور القرينة فيه، الذي يكون معنى مجازيّاً بالإضافة إلى المعنى الأوّل أقوى وأتمّ؛ فإنّه على كلا القولين تكون الجملة ظاهرة في المعنى المجازي الذي هو عبارة عن الرجل الشجاع.
وبالجملة: أصالة الظهور الراجعة إلى أصالة تطابق الإرادة الجدّية، مع الإرادة الاستعمالية، وكون المقصود الواقعي من الكلام هو ما يدلّ عليه ظاهر اللفظ جارية في كلا الصورتين؛ من دون أن يكون هناك تفاوت في البين، وحينئذٍ فإذا حكم العقل في مورد بخلاف ما هو ظاهر لفظ الكتاب، يكون حكمه بمنزلة قرينة قطعيّة متّصلة موجبة لعدم انعقاد ظهور له واقعاً، إلّافيما حكم به العقل.
فقوله- تعالى-: «وَ جَآءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا» [١] وإن كان ظهوره الابتدائي في كون الجائي هو الربّ بنفسه، وهو يستلزم الجسميّة الممتنعة في حقّه تعالى، إلّاأنّ حكم العقل القطعي باستحالة ذلك- لاستلزامه التجسّم للافتقار
[١] سورة الفجر ٨٩: ٢٢.