مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ١٢٩ - شبهة وقوع المعارضة وتعداد من عارض بلاغة القرآن
لو ادّعى مدّع لمن تقدّم من الفلاسفة.
.. مثل دعواكم في القرآن، فقال: الدليل على صدق بطليموس أو إقليدس، إنّ إقليدس ادّعى أنّ الخلق يعجزون عن أن يأتوا بمثل كتابه، أكانت نبوّته تثبت؟» [١].
ثمّ أجاب الرافعي عنه بما ليس بجواب، بل الجواب عنه ما ذكرناه في ردّ بعض الأوهام السابقة [٢].
ثمّ قال: «وقد قيل: إنّ هذا الرجل عارض القرآن بكتاب سمّاه «التاج» ولم نقف على شيء منه في كتاب من الكتب، مع أنّ أبا الفداء نقل في تاريخه أ نّ العلماء قد أجابوا عن كلّ ما قاله من معارضة القرآن وغيرها من كفرياته، وبيّنوا وجه فساد ذلك بالحجج البالغة، والذي نظنّه أنّ كتاب «ابن الراوندي» إنّما هو في الاعتراض على القرآن، ومعارضته على هذا الوجه من المناقضة، كما صنع في سائر كتبه ك «الفريد»، و «الزمرّدة»، و «قضيب الذهب»، و «المرجان» [٣]؛ فإنّها فيما وصفت به ظلمات بعضها فوق بعض، وكلّها اعتراض على الشريعة والنبوّة بمثل تلك السخافة التي لا يبعث عليها عقل صحيح، ولا يقيم وزنها علم راجح [٤].
[١] إعجاز القرآن والبلاغة النبويّة: ١٢٥- ١٢٦.
[٢] فى ص ٩٩- ١٠١.
[٣] في هامش الإعجاز: «يخيّل إلينا أنّ ابن الراوندي كان ذا خيال، وكان فاسد التخيّل، وإلّا فما هذه الأسماء؟ وأين هي ممّا وضعت له؟ والخيال الفاسد أشدّ خطراً على صاحبه من الجنون؛ لأنّه فساد في الدماغ، ولأنّه حديث متوثّب، فما يملك معه الدين ولا العقل شيئاً، وأظهر الصفات في صاحبه الغرور».
[٤] فيه أيضاً: «كتبنا هذا للطبعة الاولى، ثمّ وقفنا بعد ذلك على أنّ كتاب «التاج» يحتجّ فيه صاحبه لقدم العالم، وأ نّه ليس للعالم صانع ولا مدبِّر ولا محدث ولا خالق.
أمّا كتابه الذي يطعن فيه على القرآن فاسمه «الدامغ»، قالوا: إنّه وضعه لابن لاوي اليهودي، وطعن فيه على نظم القرآن، وقد نقضه عليه أبو الحسين الخيّاط وأبو علي الجبائي، قالوا: ونقضه على نفسه، والسبب في ذلك أ نّه كان يؤلّف لليهود والنصارى الثنوية وأهل التعطيل، بأثمان يعيش منها، فيضع لهم الكتاب بثمن يتهدّدهم بنقضه وإفساده إذا لم يدفعوا له ثمن سكوته.
قال أبو عبّاس الطبري: إنّه صنّف لليهود كتاب «البصيرة» ردّاً على الإسلام، لأربعمائة درهم أخذها من يهود سامراء، فلمّا قبض المال رام نقضه حتّى اعطوه مائة درهم اخرى، فأمسك عن النقض! أ مّا ما قيل من معارضته للقرآن فلم يعلم منها إلّاما نقله صاحب «معاهد التخصيص» قال: اجتمع ابن الراوندي هو، وأبو علي الجبائي يوماً على جسر بغداد، فقال له: يا أبا علي، ألا تسمع شيئاً من معارضتي للقرآن ونقضي له؟ قال الجبائي: أنا أعلم بمخازي علومك، وعلوم أهل دهرك، ولكن احاكمك إلى نفسك، فهل تجد في معارضتك له عذوبة وهشاشة، وتشاكلًا وتلاؤماً، ونظماً كنظمه، وحلاوة كحلاوته؟ قال: لا واللَّه.
قال: قد كفيتني، فانصرف حيث شئت.
ويقال: إنّ ابن الراوندي كان أبوه يهوديّاً وأسلم، والخلاف في أمره كثير، وبلغت مصنّفاته مائة كتاب وأربعة عشر كتاباً».