مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٣٩ - الأول في الحقيقة
..........
في قيئه» فالكلام في طريقه كما تقدّم، و من حيث المتن مقتضاه تحريم الرجوع مطلقا كما يحرم الرجوع في القيء، و لا يقول به أحد. و منه يظهر أنّ حمله على الكراهة مطلقا أولى. و وجه التشبيه استقذار الرجوع عند أهل البصيرة و ذوي المروّة. سلّمنا إرادة التحريم، لكن تحريم الرجوع لا يدلّ على فساده و عدم ترتّب الأثر عليه، لعدم دلالة النهي في غير العبادات عليه.
و أمّا الرابع ففيه أنّ تسلّط الواهب إذا وقع بما أذن له الشارع فيه من العقد الجائز لا يكون مخالفا للأصل، بل موافقته له أوضح، و بالرجوع يصير ماله، و تسلّطه حينئذ على ماله لا على مال المتّهب.
و أمّا الخامس- و هو الحكاية عن الشيخ بأنّ الأصحاب رووا أنّ المتّهب متى تصرّف في الهبة فلا رجوع فيها- فعجيب، لأنّ أرباب هذا القول بالغوا و فتّشوا فلم يجدوا حديثا واحدا يدلّ على ما ادّعاه الشيخ سوى رواية إبراهيم بن عبد الحميد فذكروها في استدلالهم، و حالها ما قد رأيت دلالة و سندا. و كتب الشيخ الأخباريّة خالية عما ادّعى رواية الأصحاب له، و لم يتعرّض في روايته أصلا إلى حكم التصرّف صريحا، و إنّما روى هو و غيره من الأصحاب ما حكيناه من حكم جواز الهبة على الوجه المتقدّم المنافي لما ادّعوه هنا.
و أما السادس- و هو الاستدلال بتحقّق الملك و ظهور أثره بالتصرّف- ففيه:
أنّه إن أراد بالملك اللازم فهو مصادرة على المطلوب، و هل هو إلّا أوّل المسألة و عين المتنازع؟! و إن أراد تحقّق الملك المطلق بالعقد و الإقباض أعمّ من اللازم و الجائز و ترتّب أثر هذا المطلق فهو غير نافع، لأنّ العقد الجائز لا يرفع جوازه التصرّف فيه على هذا الوجه، كما يظهر ذلك في تصرّف أحد المتبايعين مع وجود الخيار للآخر، و في التصرّف غير المغيّر للعين و لا الناقل للملك في الهبة عند بعض الأصحاب [١]. و حينئذ
[١] تقدم في ص ٣٣.