مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ١١٩ - الأول في الوصيّة
..........
الوارث و الموصى له إجماعا، فلم يبق إلّا الانتقال إلى ملك الموصى له انتقالا متوقّفا على قبوله اعتبارا بما سبق من دليله، مع كون القبول كاشفا عن سبق ملكه من حين الموت اعتبارا بما ذكر هنا من الدليل، و على تقدير ردّه يتبين بطلان الوصيّة و أنها كأن لم تكن فيكشف الردّ عن ملك الوارث من حين الموت، و لا ينافيه الحكم بانتقالها إلى الموصى له، لأنّ ذلك كان مراعى بالوصيّة و قد تبيّن عدمها، فكأنّ هذا الموصى به على تقدير الردّ لم يكن موصى به أصلا، فلا يأتي دليل الانتقال عن الوارث أصلا.
و لا يخفى عليك ما في هذا التوجيه من التكلّف و العجز عن مقاومة دليل الأول، و قد اعتذر عن تحرير الأول بكون سببيّة القبول تقتضي عدم حصول الملك بدونه، و أنّ مدخليّة القبول في الوصيّة ليست قويّة على حدّ مدخليّته في غيرها من العقود كالبيع. و وجه ضعفها عدم الافتقار إليه في بعض الموارد كما عرفت و في موضع النزاع على خلاف، بخلاف قبول البيع و نحوه فإنّه معتبر في تمام السببيّة إجماعا، و اعتباره في الوصيّة على بعض الوجوه- مع ما فيه من الضعف المذكور- يكفي فيه كونه كاشفا. و لا يخفى ما فيه. و مما قرّرناه يظهر: أنّ المصنّف يمكن أن يكون مختاره هو الأوّل، لما قد ظهر من قوّة دليله.
ثمَّ لقائل أن يقول على دليل الحصر من الآية: أنّه لا مانع من القول بانتقالها إلى الوارث قبل القبول، لأنّ الوصيّة قبله غير متحقّقة، لما عرفت من أنّ الوصيّة هي التمليك المخصوص الذي لا يتمّ إلا بالإيجاب و القبول، و من ثمَّ كان القبول معتبرا فيها، و كانت الآية في قوّة «من بعد وصيّة مقبولة» لأنّ إطلاقها يقتضي ذلك، فقبل القبول لا وصيّة فينتقل إلى الوارث بحكم الأصل، و لا يزول عن ملكه إلا بقبول الموصى له، فحينئذ تتحقّق الوصيّة و يحكم بانتقالها إليه.
و لا يقدح في ذلك ما قيل: إنّه يلزم منه تلقّي الموصى له الملك عن الوارث و هو خلاف الواقع، لمنع ذلك، إذ يجوز كون ملك الوارث حينئذ مراعى بعدم قبول الموصى له و مغيّى بغاية قبوله، فاذا حصل القبول انتفى ملكه و انتقل إلى ملك الموصى