مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ١٢٤ - الأول في الوصيّة
..........
المعتبر لأنّه كما وقع التمليك قبل وقت الانتقال فقبوله كذلك. و كما أنّ الموصي مالك للمال حينئذ فله نقله في أيّ وقت شاء، فالموصى له مالك أن يملك أيضا في أيّ وقت شاء و إن لم يكن وقت الملك باختياره، كما في نظائره من قبول البيع بشرط و أجل في الثمن و غيره. و افتراقهما في انتقال أصل الملك في البيع منجّزا دون الوصيّة لا يقدح في ذلك.
و ذهب بعض الأصحاب [١] و منهم العلامة [٢] إلى أنّ القبول إنّما يعتبر بعد الموت، محتجّا بأنّه أوجب له بعد موته فقبله ليس محلّا للقبول فأشبه القبول قبل الوصيّة و كما لو باعه ما سيملكه، و بعدم المطابقة بين الإيجاب و القبول، و بأنّ القبول إمّا كاشف أو جزء السبب، و على التقديرين يمتنع اعتباره قبل الموت، أمّا إذا جعل كاشفا فلأنّ الكاشف عن الملك يجب أن يتأخّر عنه و يمتنع الملك قبل الوفاة، و أمّا إذا جعل جزء السبب فلأنّه إذا تمَّ العقد وجب أن يترتّب عليه أثره، و هو هنا ممتنع قبل الموت.
و قد عرفت مما قرّرناه جواب ذلك كلّه، فإنّ القبول لا يلزم أن يحصل به الملك، و إنّما يحصل به تمام سببه، و هو لا يوجب وجود مسبَّبه، لجواز تخلّفه لفقد شرط، و هو هنا كذلك، لأنّ الموت شرط انتقال الملك، و الإيجاب كما وقع قبل زمان انتقال الملك ناقلا له في وقت متأخّر فكذلك القبول، فالمطابقة حاصلة. و الفرق بينه و بين بيع ما سيملكه واضح فإنّ ذلك ممتنع شرعا إيجابا و قبولا، و هنا لا مانع منه إلّا بواسطة التخيّل المذكور، و هو غير مانع.
و قوله: «إنّ القبول إمّا كاشف أو ناقل» يمكن اختيار كلّ واحد من القسمين، أمّا الكشف فلا نعني به أنّ كلّ فرد من أفراد القبول يقع كاشفا عن سبق الملك عليه
[١] راجع الغنية (الجوامع الفقهية): ٥٤٢، الجامع للشرائع: ٤٩٩، جامع المقاصد ١٠: ١٠.
[٢] راجع المختلف: ٤٩٩، و القواعد ١: ٢٩٠، و في كلامه فيه ما يوهم التناقض راجع جامع المقاصد ١٠- ١٢، و التحرير ١: ٢٩٢.