مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ١٦ - الأول في الحقيقة
..........
وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلىٰ أَهْلِهِ إِلّٰا أَنْ يَصَّدَّقُوا [١]، فأسقط الدية بمجرّد التصدّق و لم يعتبر القبول، و المراد بالتصدّق فيهما الإِبراء. و فيه: أنّ الصدقة كما تقدّم [٢] من العقود المفتقرة إلى القبول إجماعا، فدلالتهما على اعتباره أولى من عدمه.
و ذهب ابن زهرة [٣] و ابن إدريس [٤] إلى اشتراط القبول، و اختلف كلام الشيخ في المبسوط [٥]، ففي أول المسألة قوّاه، و في آخرها قوّى الأول، فإطلاق جماعة نسبة القول باشتراطه إليه ليس بجيّد.
و احتجّوا للاشتراط بأن في إبرائه من الحقّ الذي عليه منّة فلا يجبر على تحمّلها، كما لا يجبر على قبول هبة العين، و لو لم يعتبر القبول لتحمّلها جبرا.
و أجيب بالفرق بين التمليك و الإسقاط شرعا و عرفا:
أمّا الأوّل: فلأنّه لو أبرأ مالك الوديعة المستودع منها مثلا لم يملكها بذلك و إن قبل و كذا غيره، و كذا لو أسقط حقّه من عين مملوكة لم تخرج بذلك عن ملكه، بخلاف الدَّين، فإنه قابل لذلك، لأنّه ليس شيئا موجودا فكان أشبه بالعتق.
و أما الثاني: فلأنّ إسقاط الإنسان حقّه باختياره من غير ابتداء من عليه الحقّ لا تظهر فيه منّة يثقل تحمّلها على من عليه الحقّ عرفا، بخلاف هبة الأعيان المتوقّفة على القبول إجماعا، فلعلّ تعرّضه للقبول بحضرته و مقارنته للإيجاب و رعاية ما يعتبر في الصحّة بعده من الإقباض و القبض دليل على الحرص على التمليك [٦] الموجب للمنّة غالبا.
[١] النساء: ٩٢.
[٢] في ج ٥: ٤٠٨.
[٣] الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): ٥٤١.
[٤] السرائر ٣: ١٧٦.
[٥] المبسوط ٣: ٣١٤.
[٦] كذا في «س». و في غيرها: التملّك.