مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٣٧ - الأول في الحقيقة
..........
الخامس: قال الشيخ- (رحمه اللّه)-: «روى الأصحاب أنّ المتّهب متى تصرّف في الهبة فلا رجوع فيها» [١]. و هو يدلّ على وجود روايات بذلك.
السادس: أنّ المتّهب قد ملك بالعقد و الإقباض، و ظهر أثر الملك بالتصرّف، فقوي وجود السبب، و هو تامّ و إلا لم يتحقّق أثره، فلا يتحقّق النقل عنه إلّا بسبب طار، و الرجوع ليس سببا هنا و إلّا لكان سببا في غيره.
السابع: أنّ جواز الرجوع يقتضي الضرر و الإضرار بالمتّهب على تقدير بنائه و غرسه و طول مدّته، و هما منفيّان شرعا.
الثامن: أنّ الموهوب قد صار ملكا للمتّهب بعقد الهبة، فلا يعود إلى ملك الواهب إلّا بعقد جديد أو ما هو في حكمه.
التاسع: أنّه إجماع، لأنّ المخالف معروف الاسم و النسب فلا يقدح.
فهذه عشرة أدلّة بحديث القيء، لأنّه دالّ برأسه و إن كان في ضمن حديث آخر، فقد روي [٢] منفردا أيضا. و هذه الأدلّة جمعتها من تضاعيف عبارات أصحاب هذا القول، و لم يتفق جمعها لأحد منهم هكذا، و هي أقصى ما أمكن من استدلالهم.
و في كلّ واحد منها نظر:
أمّا الأول فللمنع من كون أكل الهبة بطريق الرجوع فيها من الواهب أكلا لمال الغير بالباطل، بعد ورود الروايات الصحيحة على جواز الرجوع فيها المستلزم لعود ملكه لها بالفسخ، فيكون أكلا لمال نفسه بالحقّ لا لمال غيره بالباطل.
و أما الثاني فالأمر بالوفاء بالعقود المراد منه الوفاء بما تقتضيه و الالتزام بما يترتّب عليه شرعا من لزوم و جواز، فمن فسخ بالعقد الجائز الذي قد دلّت الأخبار الصحيحة الكثيرة على جوازه كان قد وفى العقد حقّه اللازم له شرعا. سلّمنا أن المراد
[١] المبسوط ٣: ٣١٢، و قريب منه في الخلاف ٣: ٥٧١ في مسألة ١٧.
[٢] الفقيه ٤: ٢٧٢ ضمن رقم ٨٢٨، الاستبصار ٤: ١٠٩ ح ٤١٦ و ٤١٧، الوسائل ١٣:
٣٤١ ب «٧» من كتاب الهبات ح ٥، و ٣٤٣ ب «١٠» منه ح ٣.