مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ١٥٧ - الأول في متعلّق الوصيّة
..........
تفويت في مال الوارث، و إن لم يصحّ لا يصحّ البيع، ففيه إمكان جبره بإجازة المالك الشراء لنفسه، فيكون جميع الربح له، فيحصل التفويت على تقدير صحّة البيع و حصول الربح. و من ثَمّ ذهب ابن إدريس [١] إلى أنّ الصحّة مشروطة بكون المال قدر الثلث فما دون، اطّراحا للأخبار و ردّا إلى الأصول المعلومة في هذا الباب، و بعض المتأخّرين [٢] إلى أن المحاباة في الحصّة من الربح بالنسبة إلى أجرة المثل محسوبة من الثلث أيضا. و لكلّ منهما وجه.
و الذي نختاره في هذه المسألة: أنّ الوارث إن كان مولّى عليه من الموصي كالولد الصغير فالوصيّة بالمضاربة بماله صحيحة مطلقا، لأنّ التكسّب بماله غير واجب على الوصيّ، و الحاصل من الربح زيادة فائدة، و التعرّض للتلف غير قادح، لأنّ الواجب على العامل مراعاة الأمن و الحفظ و ما فيه مصلحة المال، و العمل به على هذا الوجه مما يرجّحه العقلاء. و لا يلزم مراعاة المدّة التي شرطها الموصي، بل يصحّ ما دام الوارث مولّى عليه فإذا كمل كان له فسخ المضاربة، لأنّها عقد مبنيّ على الجواز.
و تحديد الموصي لها بمدّة لا يرفع حكمها الثابت بالأصل، و إنما يفيد التحديد بالمدّة المنع من التصرّف فيما زاد عليها لا الالتزام بها فيها. و لا يلزم من ذلك تبديل الوصيّة و تغييرها المنهيّ عنه، لأنّ تبديلها هو العمل بخلاف مقتضاها، و هنا ليس كذلك، لأنّه لمّا أوصى بعقد جائز فقد عرّض العامل لفسخ العقد في كلّ وقت يمكن عملا بمقتضاه، فلا يكون الفسخ تبديلا للوصيّة بل عملا بمقتضاها. و لا فرق حينئذ بين زيادة الحصّة المجعولة للعامل عن أجرة المثل و عدمها، و لا بين كون المال بقدر الثلث و أزيد، و لا بين كون الربح بقدر الثلث كذلك و أزيد، لما ذكرناه.
و إن كان الوارث مكلّفا غير مولّى عليه فالوصيّة كذلك جائزة أيضا، لكن لا يلزم الوارث الوفاء بها، بل له فسخها عاجلا و في كلّ وقت كما قرّرناه في الصغير إذا
[١] السرائر ٣: ١٩٢.
[٢] راجع التنقيح الرائع ٢: ٤٠٣.