التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ١٢١
واستدل على اعتصام الجارى القليل رابعا، بصحيحة داود بن سرحان قال: قلت لابي عبد الله (ع) ما تقول في ماء الحمام؟ قال هو بمنزلة الماء الجاري (* ١) وقد شبه ماء الحمام بالماء الجارى مطلقا، فيستفاد منها ان الجاري باطلاقه معتصم سواء أكان قليلا أم كان كثيرا. وقد يناقش في دلالتها: بأن وجه الشبه فيها غير معلوم، ولم يعلم ان الامام (ع) شبه ماء الحمام بالجاري في أي شئ، فالرواية مجملة. وهذه المناقشة لا ترجع إلى محصل: لان تشبيه ماء الحمام بالجاري موجود في غيرها من الاخبار أيضا والمستفاد منها ان التشبيه إنما هو من حيث الاعتصام، وذلك دفعا لما ربما يتوهم من ان ماء الحمام قليل في حد نفسه. فينفعل بالملاقاة لا محالة. ومعه كيف يتطهر به بمجرد اتصاله بمادته بالانبوب أو بغيره، فان للحمامات المتعارفة مادة جعلية بمقدار الكر بل باضعافه وتتصل بما في الاحواض الصغيرة بالانابيب أو بغيرها، وفي مثلها قد يتوهم الا نفعال نظرا إلى أن المادة الجعلية أجنبية ومنفصلة عما في الحياض، ومجرد الاتصال بالانبوب لا يكفي عند العرف في الاعتصام. لا ختلاف سطحي الماءين فتصدى (ع) لدفع ذلك بأن ماء الحمام كالجاري بعينه، فكما انه عاصم لا تصاله بمادته كذلك ماء الحمام، غاية الامر ان المادة في أحدهما أصلية وفي الآخر جعلية. فالصحيح في الجواب أن يقال: ان نظرهم عليه السلام في تلك الروايات إلى دفع توهم الانفعال بتنزيل ماء الحمام منزلة الماء الجاري، ومن الظاهر ان المياه الجارية في أراضي العرب والحجاز منحصرة بالجاري الكثير، ولا يوجد فيها جار قليل وان كان يوجد في أراضي العجم كثيرا، فالتنظير والتشبيه، بلحاظ ان الجاري الكثير كما انه معتصم لكثرته، ويتقوى بعضه (* ١) المروية في الباب ٧ من أبواب الماء المطلق من الوسائل.