مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٥٧ - (البحث الثالث) (في أمور تتبع الإخراج)
«وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ» [١] و ما تقدّم من قوله «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ» [٢] الآية و ما روى عنهم (عليهم السلام) [٣] أفضل الصدقة جهد من مقلّ إلى فقير في السرّ، و روى سماعة عنه (عليه السلام) [٤] قال: سألته عن الرجل ليس عنده إلّا قوت يوم أ يعطى من عنده قوت يومه على من ليس عنده شيء و يعطف من عنده قوت شهر على من دونه و السنة على نحو ذلك أم ذلك كلّه على الكفاف الّذي لا يلام عليه؟ فقال هو أمران أفضلكم فيه أحرسكم على الرغبة و الأثرة على نفسه فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول «وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ» و الأمر الآخر لا يلام على الكفاف، الحديث و نحوه.
لأنا نقول: قد مرّ أنّ مثل هذه المرغّبات في إنفاق الجميع محمولة على ما إذا كان المنفق ذا وثوق بحسن التوكّل على اللّه، و الصبر على الضرّاء و السرّاء كالنفوس القدسيّة أو من يحذو حذوها، فإنّها لها اعتماد على اللّه تعالى أزيد ممّا عندهم أضعافا بل ذاك في معرض التلف، بخلاف وثوقهم به تعالى، فهم المراد بتلك الآيات و نحوها و ما دلّ على المنع محمول على ما إذا لم يكن له توكّل إلى هذا الحدّ فإنّه يكره له التصدّق بجميع ماله إذ يصير كلّا على الناس و هو منهيّ عنه.
و يمكن الجمع بينهما بوجه آخر و هو أن يكون الرجل وحده لا عيال له أو كان له كسب و له وثوق في كسبه بقدر كفايته، إذ لا شكّ أنّ الصدقة و الإيثار على نفسه أمر مطلوب له، و يحمل ما دلّ على المنع على ما إذا كان ذا عيال ليس له كسب يثق به فإنّ إيثار السائل بما عنده على ذلك التقدير إيثار على عياله، و حرمانهم، و لا يكون
[١] الحشر: ٩.
[٢] البقرة: ٢٧١.
[٣] مر في ص ٤٥ و قريب منه ما في كنز العمال ج ٤ ص ٢١٩ الرقم ١٦٧٠ عن الطبراني في الكبير عن أبي أمامة.
[٤] الكافي ج ١ ص ١٦٦ باب الإيثار الحديث ١ و هو في المرآة ج ٣ ص ٣٠٤ و ذيل الحديث «و اليد العليا خير من اليد السفلى و ابدء بمن تعول».