مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣٨١ - كتاب (الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر)
يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ بترك المعاصي و فعل الطّاعات «وَ أَهْلِيكُمْ» بأن تدعوهم إليها و تحثّوهم على فعلها «نٰاراً وَقُودُهَا النّٰاسُ وَ الْحِجٰارَةُ» أي يتّقد بهما كما يتّقد غيرها بالحطب، و قيل: المراد بالحجارة هي حجارة الكبريت، و منع الأهل ذلك إنّما يكون بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
و روى الكلينيّ عن أبى بصير في قوله عزّ و جلّ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نٰاراً قلت كيف أقيهم؟ قال تأمرهم بما أمر اللّه و تنهاهم عمّا نهاهم اللّه، فإن أطاعوك كنت قد وقيتهم، و إن عصوك كنت قد قضيت ما عليك، و فيها دلالة على أنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ينبغي أن يكون للأقرب فالأقرب، و لذا ابتدأ بالنفس ثمّ بالأهل.
«عَلَيْهٰا مَلٰائِكَةٌ» تلي أمرها زبانية موكلون بها «غِلٰاظٌ شِدٰادٌ» غلاظ الأقوال شداد الأفعال أو غلاظ في الأخلاق أقوياء على الأفعال الشديدة لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أمر اللّه تعالى، و الغضب له، و الانتقام من أعدائه، و إن كانوا رقاق الأجسام لأنّ الظاهر من حال الملك أنّه روحانيّ فخروجه عن الرّوحانيّة كخروجه عن صورة الملائكة «لٰا يَعْصُونَ اللّٰهَ مٰا أَمَرَهُمْ» فيتقبّلون أوامره، و يلتزمونها و لا يأبونها و لا ينكرونها «وَ يَفْعَلُونَ مٰا يُؤْمَرُونَ» أي يؤدّون ما يؤمرون به، لا متثاقلين عنه و لا متوانين فيه.
قال الشيخ في التبيان [١]: و في ذلك دلالة على أنّ الملائكة الموكّلين بالنّار و بعقاب العصاة معصومون من فعل القبائح لا يخالفون اللّه في أمره، و يمتثلون كلّ ما يأمرهم به، و عمومه يقتضي أنّهم لا يعصونه في صغيرة و لا كبيرة، و قال الرّماني لا يجوز أن يعصى الملك في صغيرة و لا كبيرة لتمسّكه بما يدعو إليه العقل دون الطبع فإنّه لا يقع منه قبيح، ثمّ قال: و قال الجبائي قوله تعالى لٰا يَعْصُونَ اللّٰهَ مٰا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مٰا يُؤْمَرُونَ يعني في دار الدّنيا لأنّ الآخرة ليست دار تكليف إنّما هي دار جزاء، و إنّما أمرهم اللّه بتعذيب أهل النّار على وجه الثواب لهم، بأن جعل
[١] انظر التبيان ج ٢ ص ٦٩٠ ط إيران.