مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣٠٣ - الثالث (في أشياء من أحكام الحج و توابعه)
العبادة مرغّب مندوب إليه كما فعله إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام) و على هذا فيمكن استفادة استحباب التعقيب بعد الصلاة بالأدعية و خصوصا المأثورة.
«رَبَّنٰا وَ اجْعَلْنٰا مُسْلِمَيْنِ لَكَ» أي مخلصين لك أوجهنا من قوله أسلم وجهه للّه أو مستسلمين من أسلم إذا استسلم و انقاد، و المراد طلب الزّيادة في الإخلاص و الإذعان أو اجعلنا كذلك في مستقبل أعمارنا كما جعلتنا كذلك في ماضيها بأن توفّقنا للطّاعة و تفعل بنا الألطاف الدّاعية إلى الثبات على الإسلام و يجوز أن يكونا قالا ذلك تعبّدا كما قال تعالى رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ [١] و قرئ بصيغة الجمع على أنّ هاجر معهما أو أنّ التثنية من مراتب الجمع.
«وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنٰا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ» عطف على سابقه أي و اجعل بعض ذريّتنا أي أولادنا، و إنّما خصّا بعضهم لأنّه تعالى أعلم إبراهيم أنّ في ذرّيته من لا ينال عهده لما يرتكبه من الظّلم، و علما أنّ الحكمة الإلهيّة لا تقتضي الاتّفاق على الإخلاص و الإقبال الكليّ على اللّه من الجميع، فإنّه ممّا يشوّش أمر المعاش، و لذا قيل: لو لا الحمقى لخربت الدّنيا، و لعلّ تخصيص الذرّية بالدّعاء لما أنّهم أحقّ بالشفقة و المودّة، أو لأنّ أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم، و تابعوهم على الخير، ألا يرى أنّ المقدّمين من العلماء و الكبراء إذا كانوا على السّداد و الصّلاح تسبّب ذلك لسداد من وراءهم.
و قيل: إنّ المراد امّة محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بدلالة قوله وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [٢] و المرويّ عن [٣] الصّادق (عليه السلام) أنّ المراد بالآية بنو هاشم خاصّة و في الآية دلالة على استحباب الدّعاء للذريّة بالصّلاح و السّداد و التّقوى.
[١] الأنبياء: ١١٢.
[٢] البقرة: ١٢٩.
[٣] رواه العياشي ج ١ ص ٦١ بالرقم ١٠١ و نقله عنه في البحار ج ٧ ص ١٢٢ و في البرهان ج ١ ص ١٥٦ و رواه أيضا في المجمع ج ١ ص ٢١٠ و رواه عنه في نور الثقلين ج ١ ص ١٠٩ بالرقم ٣٧٨ و حديث العياشي بالرقم ٣٧٩.