بداية الوصول في شرح كفاية الأصول - آل راضي، الشيخ محمد طاهر - الصفحة ٣٩٢ - في التعبدي و التوصلي
ثالثتها: إنه إذا عرفت بما لا مزيد عليه، عدم إمكان أخذ قصد الامتثال في المأمور به أصلا، فلا مجال للاستدلال بإطلاقه و لو كان مسوقا في مقام البيان على عدم اعتباره، كما هو أوضح من أن يخفى، فلا يكاد يصح التمسك به إلا فيما يمكن اعتباره فيه (١).
حسن، و هو العبادة الذاتية كتعظيم المولى، اما فيما ليس له هذا العنوان، كمثل جملة من اعمال الحج فلا يتاتى ذلك، و التقرب فيها منحصر بقصد امتثال امرها، و اما اتيانه بداعي المصلحة فكونها من مصاديق القربة محل اشكال لما عرفت: ان الفعل العبادي لا بد من اضافته و نسبته الى المولى، فاما ان يكون مضافا بذاته كتعظيم المولى و هو العبادة الذاتية، أو لاتيانه بعنوان يضاف اليه كداعي امره، و اتيانه بداعي المصلحة ليس عبادة بذاته و لا مضافا اليه.
(١) حاصل هذا الثالث: هو ان التمسك بالاطلاق لنفي اخذ قصد القربة في متعلق الامر فيما اذا شك في دخالته في حصول الاتيان بالمامور به، و امتثاله انما يمكن فيما اذا كان اخذ قصد القربة في متعلق الامر ممكنا، اما اذا كان اخذه في متعلق الامر ممتنعا لما تقدم من المحاذير المذكورة فلا يعقل التمسك بالاطلاق لنفيه، لأن تقابل الاطلاق و التقييد تقابل العدم و الملكة لا تقابل السلب و الايجاب: بمعنى ان تقابلهما تقابل العمى و البصر، لا تقابل البصر و اللابصر، و تقابل العدم و الملكة مشروط بقابلية ما فيه التقابل لهما، فان العمى يقابل البصر، و يكون الموضوع مما لا يعقل ان يجتمعا فيه، و لا ان يرتفعا عنه انما هو في الانسان القابل لأن يكون بصيرا و لان يكون اعمى فلا يعقل ان يكون بصيرا و اعمى و لا يعقل ان لا يكون بصيرا و لا يكون اعمى، بل لا بد اما ان يكون بصيرا، و اما ان يكون اعمى، اما الحجر فلا تقابل للعمى و البصر فيه، لجواز ان لا يكون بصيرا و لا يكون اعمى، لأن العمى ليس هو محض عدم البصر، بل هو عدم البصر مما من شأنه ان يكون بصيرا، فلا يصح ان يقال للحجر اعمى.