بداية الوصول في شرح كفاية الأصول - آل راضي، الشيخ محمد طاهر - الصفحة ٧٥ - التاسع الحقيقة الشرعية
ثم لا يذهب عليك انه مع هذا الاحتمال، لا مجال لدعوى الوثوق، فضلا عن القطع، بكونها حقائق شرعية، و لا لتوهم دلالة الوجوه التي ذكروها على ثبوتها (١)
. فانه يقال: انها بعد ان كانت موضوعة للمعاني المركبة من عدة اشياء، لا للدعاء، أو العطف، فاختلاف الاجزاء و الشرائط بين شريعتنا، و الشرائع السابقة من قبيل اختلافها في شرعنا من صلاة المريض و المختار، و الاختلاف في محققات المفهوم لا يقتضي تجدد الوضع، فان لفظ الميزان- مثلا- موضوع لما يوزن به، فما يوزن به المواد الموزونة ميزان، و ما يوزن به الاعمال يوم القيامة ايضا ميزان، لا أن الميزان مستعمل فيما توزن به الاعمال استعمالا مجازيا. إلّا ان الشأن في اصل الدعوى: و هو كون هذه الالفاظ بنفسها موضوعة لهذه المعاني في الشرائع السابقة.
و كيف ذلك و الشرائع السابقة ليست لغتها عربية، بل سريانية و عبرية و غير ذلك من اللغات. فالظاهر من هذه الآيات المباركة ان هذه المعاني التي كلفهم بها كانت مكتوبة و مكلف بها غيرهم من الامم السابقة في الشرائع المتقدمة، لان هذه المعاني قد وقع التكليف بها بما انها موضوع لها هذه الالفاظ كما هو واضح.
(١) حاصله: انه اذا احتملنا هذا الاحتمال، و انها موضوعة لهذه المعاني في الشرائع السابقة، لا دلالة لما ذكر من الوجوه، و هو التبادر، و التأييد المذكور، أو عدم صحة السلب عن هذه المعاني على الحقيقة الشرعية، فان هذه الوجوه تدل على ان هذه المعاني موضوعة لها هذه الالفاظ، لا أن الواضع لها هو الشارع، و انما كانت تدل على ذلك حيث يعلم قطعا: بان هذه المعاني ليست حقائق لهذه الالفاظ قبل زمان الشارع، ثم صارت حقائق لها عنده، فيكشف بالقطع انه هو الواضع، اما مع هذا الاحتمال، فلا كاشف قطعي: من ان الواضع هو الشارع، و ان كشفت هذه الوجوه عن انها حقائق لها.