بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١١٩ - الجهة الأولى في تشخيص مدلول صيغة الأمر
المتأخرين، بأن صيغة «افعل» لها معنى واحد، و هو ما ذكرناه، خلافا لما كان يتراءى من الأقدمين، حيث جعلوا لصيغة «افعل» معان متعددة، في مقابل الطلب، كالاستهزاء، و التسخير، و التعجيز، و غيره، بينما المتأخرون، قالوا بأن للصيغة مدلول تصوري واحد، و إنّما الفرق في المداليل التصديقية ففرق بين «صلّ» و ذق إنك أنت العزيز الكريم، و الفرق في المدلول التصديقي لا في المدلول التصوري، فهو واحد في الجميع، لكن الدواعي تختلف، و السيد الخوئي جريا على مبناه، لم يوافق هؤلاء، لأنه بنى على أن المدلول التصديقي هو معنى الصيغة، و قال، بأن معنى صيغة «افعل»، هو اعتبار الفعل على ذمة المكلف [١] و طلبه منه، و على هذا التزم بمعان عديدة للصيغة، فتارة تستعمل في الطلب، و أخرى في الاستهزاء، و ثالثة في التعجيز، و هكذا، و هذه معان متباينة، فلا بدّ من الالتزام بتعدد معاني الصيغة.
و هذه النتيجة التي انساق إليها السيد الخوئي، في المقام، لها لازم غريب أيضا مضافا إلى بطلان أصل مبناه، و هذا اللّازم هو، أن لا تكون مادة الأمر في موارد التعجيز و غيره من الموارد، مستعملة في المعنى أصلا، و توضيح ذلك:
لو قلت لزيد «طر إلى السماء»، و كنت تريد بذلك التعجيز، فتارة، نفرض أن هذا القول، مستعمل في النسبة الإرسالية كما يقول المشهور، غاية الأمر إن استعمال اللفظ في النسبة الإرسالية و في الدفع نحو السماء تارة يكون بداعي الطلب و أخرى يكون لتنبيهه إلى عجزه عن الطيران إلى السماء. و هذا أمر معقول.
إذن، فكلمة «طر» قد استعملت في معناها تصورا مادة و هيئة، و أمّا إذا فرض، أن كلمة «طر»، معناها ابتداء، هو المدلول التصديقي، و هو في المقام عبارة عن التعجيز، فبحسب الحقيقة هنا التعجيز لا ربط له بمدلول المادة،
[١] أجود التقريرات- الخوئي هامش- ص ٩٦.