بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٤٣ - التنبيه الثاني
بعضها أنها موضوعة للدلالة على الوجوب، فلا كلام في دلالتها على الوجوب، و أمّا إذا لم يثبت فيها أنها موضوعة لغة للدلالة على الوجوب، فيمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام.
القسم الأول: ما يكون دالا على الدفع و الإرسال و التحريك إمّا بنحو المعنى الحرفي، أي النسبة الإرسالية، كما هو الحال في صيغة «افعل» أو في فعل المضارع الداخل عليه لام الأمر، و إمّا بنحو المعنى الاسمي، كما في «أدفعك، و أطلب منك، و آمرك»، فإن هذا يدل على الدفع و الإرسال بنحو المعنى الاسمي لا بنحو المعنى الحرفي، لأن كلمة الدفع و الطلب و الأمر و التحريك بنفسها إرسال و دفع، فإذا فرض أنه كان يدل على الإرسال و الدفع، بنحو المعنى الحرفي أو بنحو المعنى الاسمي، أمكن أن يستفاد منه الوجوب بالإطلاق الذي بينّاه بالبيان الأخير في بحث صيغة الأمر، حيث قلنا أن مقتضى التطابق بين الإرسال الخارجي، و الإرسال التشريعي، هو أن يكون الإرسال التشريعي أيضا إرسالا حتميا قد سدّ فيه تمام أبواب العدم كما سدّ تمام أبواب العدم في الإرسال الخارجي و الإلقاء الخارجي، فكل ذاك البيان يجري فيما إذا كان الكلام يستفاد منه، الإرسال و الإلقاء، إما بنحو المعنى الحرفي، و إمّا بنحو المعنى الاسمي.
القسم الثاني: ما يفرض فيه، أنّه لا يستفاد منه الإرسال، لا بنحو المعنى الحرفي، و لا بنحو المعنى الاسمي، لكن يكون مضمونه الجعل في العهدة، فيعتبر أن هذا الفعل في عهدة المكلف، من قبيل، «و للّه على الناس حجّ البيت، كتب عليكم الصيام، كما كتب على الذين من قبلكم» «و على فلان أن يتصدق بمد من الطعام» و نحو ذلك مما يرد في الروايات و الآيات، فإنّ هذه، مضمونها جعل الشيء في العهدة، و حيث أنّ العهدة من الأوعية و الاعتبارات العقلائية، التي ارتكز عقلائيا، كونها موضوعا للوجوب و اللزوم في باب الضمانات و الديون، فلهذا ينعقد لهذا الكلام ظهور عرفي في أنّ هذه العهدة، تستتبع إلزاما من قبل المولى بالإتيان بالفعل، لأن كون مال الغير في عهدته،