بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥٣ - المقام الثاني تشخيص اقتضاء الأمر، للمرة أو التكرار، بلحاظ المدلول الإطلاقي المكتسب بمقدمات الحكمة
إذن يثبت بمقدمات الحكمة، أن الوجوب ثابت على طبيعة «الإكرام» متعلّقا، و على طبيعة «العالم» موضوعا، و أمّا الانحلال و التعدد في جانب الموضوع، و عدمه في جانب المتعلق، يستفاد ببيان، و حاصله.
أن الوجوب المجعول في المقام، له معروض بالذات مقوّم له في أفق نفس الجعل، و معروضه هذا، هو «الإكرام» متعلّقا «و العالم» موضوعا، بمعنى أن «الإكرام» و «العالم» صورتان ذهنيتان مقوّمتان للوجوب في عالم الجعل، و عند ما نلاحظ عالم الجعل و صوره الذهنية، لا نجد فيه تعددا أصلا، إذ ليس هناك إلّا جعل واحد، إذن ليس هناك إلّا وجوب واحد بلحاظ المتعلق، أو بلحاظ الموضوع.
و من الواضح، أنّ الصور الذهنية المقوّمة للجعل في أفق الجعل، إنّما أخذت من قبل المولى، بما هي فانية و مرآة للوجود الخارجي، و حينئذ، ننتقل إلى ما يتم فيه الفناء، أي إلى ما هو معروض بالعرض، فنأخذ الموضوع و هو «العالم» فنرى أنّ صورة «العالم» لم تؤخذ بما هي صورة ذهنية، بل بما هي مرآة للوجود الخارجي، و من هنا يصح تطبيقها على الوجود الخارجي، و عند تطبيقها لا بدّ و أن يطبّق بتبعها محمولها و هو الوجوب، لأنّه تابع لها، و عالم التطبيق هذا، نسميه بعالم فعليّة المجعول، و من الواضح أن «العالم» له وجود متعدّد في المرحلة السابقة على طلب «الإكرام»، و كلّما طبقنا صورة «العالم» على «زيد» تارة، و بكر أخرى، و خالد ثالثة، يتبعها حكمها، لأنّ الحكم ثبت لطبيعة «العالم» فيسري إلى الأفراد، لأنّ الطبيعة فانية و مرآة للخارج.
و من هنا ينشأ أحكام متعددة، و هذه الأحكام انحلالية بحسب الحقيقة، بمعنى أنه في عالم الجعل، لم يكن إلّا جعل و حكم واحد، لكن عند إضافة هذا الحكم بتبع موضوعه الواحد إلى الوجود الخارجي يتكثّر الحكم إلى أحكام متعددة بتعدد أفراد الطبيعة للموضوع.
و أمّا إذا أخذنا المتعلق، فإنّ الإكرام، و إن كان قد وقع متعلّقا للوجوب