بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٠٢ - الصورة الثالثة و هي أن يكون انكشاف الخلاف بأصل عملي جاري في حقه كأصالة الاشتغال بملاك منجزية العلم الإجمالي،
إلّا أن هذا التخيّل غير صحيح و ذلك، أننا لا نشك فيما أتينا به و ما لم نأت به إذ نعلم يقينا أن الظهر لم نأت بها، و نعلم يقينا أن الجمعة أتينا بها إذن فلا فائدة في استصحاب عدم الإتيان، و إنما الشك في أن هذا واجب أو ذاك واجب، فإن كان الذي أتينا به هو الواجب إذن لا قضاء، و إن كان الذي لم نأت به هو الواجب فعلينا القضاء، فاستصحاب عدم الإتيان لا أثر له حتى لو قيل بأن موضوع وجوب القضاء هو عدم الإتيان لا عدم الفوت، فتبقى مسألة كيفية تخريج وجوب القضاء بلا حل.
الوجه الثالث: في تخريج إثبات وجوب القضاء هو أن يقال، بأن وجوب القضاء بنفسه طرف للعلم الإجمالي من أول الأمر كوجوب الأداء و ذلك لأن المكلّف في البداية يعلم علما إجماليا إمّا بوجوب الجمعة عليه و إمّا بوجوب الظهر عليه، و يعلم علما إجماليا أيضا بأنه إمّا الجمعة واجب عليه و إمّا قضاء صلاة الظهر واجب عليه لو لم يأت بها في وقتها، إذن فوجوب صلاة الظهر طرف للعلم الإجمالي من أول الأمر فيتنجز بالعلم الإجمالي.
إذن فهنا علمان إجماليان، أحدهما العلم الإجمالي بوجوب الجمعة أداء أو الظهر أداء، و الثاني هو علم إجمالي بوجوب صلاة الجمعة أداء أو وجوب قضاء صلاة الظهر لو لم يأت بها أداء إذن فوجوب الظهر قضاء لو لم يأت بها أداء، هذا طرف للعلم الإجمالي الثاني فيتنجز به.
و هذا الكلام ليس صحيحا، و ذلك لأنه و إن كان هذان العلمان الإجماليان صحيحين، لكن الطرف الثاني للعلم الإجمالي الثاني، و هو قضاء الظهر، وجوبه ليس وجوبا فعليا، بل وجوب منوط بعدم الإتيان بالظهر في الوقت و هذا معناه، أن المكلف يعلم بفعلية الشرط بوجوب القضاء فيكون علما بوجوب فعلي على كل تقدير، لأنه يعلم إمّا بوجوب الأداء فعلا، أو بوجوب القضاء بعد فوات وقت الظهر، فيصير من باب العلم الإجمالي بالتدريجيات، لأنه بان على عدم الإتيان بالظهر داخل الوقت من أول الأمر، و حينئذ يكون هذا العلم الإجمالي منجزا في حقه.