بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥٢ - المقام الثاني تشخيص اقتضاء الأمر، للمرة أو التكرار، بلحاظ المدلول الإطلاقي المكتسب بمقدمات الحكمة
الإكرام، و له موضوع، و هو متعلّق المتعلّق، أي متعلق الإكرام، و هو العالم.
و هذا الطلب، إذا لوحظ بالنسبة إلى الموضوع الذي هو العالم، فهو يقتضي التكرار و تكثّر الحكم بتكثر العلماء، فلا يكفي في مقام امتثال هذا الأمر إكرام عالم واحد، و أمّا إذا لوحظ الطلب بالنسبة إلى المتعلّق الذي هو الإكرام، فهل يقتضي تعدّد إكرام زيد العالم، من تقبيل يده، و زيارته، و إلقاء السلام عليه، أو يكفي إكرام واحد من هذه الإكرامات؟.
في هذه الناحية، الطلب لا يقتضي التكرار، بل يكتفى بإكرام واحد، و هذا على طبق الفهم العرفي.
و ليس الوجه في تخريج هذا الفهم، دعوى أنّ الإطلاق و مقدمات الحكمة تجري في المتعلّقات، بنحو يثبت الإطلاق البدلي، و تجري في الموضوعات بنحو يثبت الإطلاق الشمولي، حيث أن مقدمات الحكمة في باب المتعلقات، تنتج إطلاقا بدليا في قوة قولنا (أكرمه إكراما، «ما») و في باب الموضوعات، تنتج إطلاقا شموليا في قوة قولنا ( «أكرم كل عالم»)، ليس هذا هو الوجه في التخريج حتى يقال، أنه كيف اختلفت نتيجة مقدمات الحكمة، فأعطت «شمولا» بمعنى تعدّد الحكم بلحاظ الموضوع، «و بدلا» بمعنى عدم تعدده بلحاظ المتعلق.
هذان المطلبان كلاهما أجنبي عن مقدمات الحكمة، فلا التعدّد بلحاظ الموضوع، مستفاد من مقدمات الحكمة بل مقدمات الحكمة لها وظيفة واحدة في كلا المطلبين تؤديها على وتيرة واحدة، و حاصل هذه الوظيفة هي، أنّ الطبيعة، قد لوحظت في عالم الجعل بذاتها و بلا قيد آخر، و مقدمات الحكمة تثبت خلوّ الطبيعة من أيّ قيد في عالم الجعل و التشريع، و هذا ثابت بالنسبة إلى طبيعة «الإكرام» باعتباره متعلقا، و بالنسبة إلى طبيعة «عالم» باعتباره موضوعا، و هذه الوظيفة ثابتة لمقدمات الحكمة لا تتجاوزها، إذ لو كان هنا قيد لبيّن، و حيث لم يبيّن، لم يؤخذ، بمقتضى أصالة التطابق بين مقام الثبوت و مقام الإثبات.