بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٩٠ - البيان الثاني لعدم امكان أخذ قصد الامتثال فى متعلق الامر
من قبل الأمر، لكن من قال، بأنّ الأمر مشروط بهذه القدرة، و متوقف عليها، على حدّ توقف المشروط على شرطه، إذ أنّ دليل اشتراط القدرة، إنّما هو العقل الحاكم باستحالة التكليف بغير المقدور.
و من الواضح أنّ العقل لا يحكم باستحالة التكليف بغير المقدور، إذا كان نفس التكليف و الأمر يحدث القدرة، كما لو فرض مثلا، أنّ كلام المولى مع عبده المشلول تكوينا، يوجب استيناس العبد، و بالتالي شفاءه، هنا لا بأس بأن يتوجه المولى إلى عبده و يقول له، قم، ذلك أنّ القدرة على القيام و إن كانت هنا غير موجودة، لكنّها سوف تحصل من أمر المولى، و بذلك لا يكون أمر المولى أمرا إحراجيا للعبد، إذ الميزان في اشتراط التكليف بالقدرة إنما هو عدم إحراج العبد من قبل المولى، و عدم الإحراج يكفي فيه نشوء القدرة من قبل نفس الأمر، فلو نشأت القدرة من قبل نفس الأمر، فهذا يكفي في صحة الأمر، و حينئذ يندفع الدور، لأن القدرة على قصد الامتثال نشأت من الأمر، و هي متأخرة رتبة عن الأمر تأخر المعلول عن علته، و لكن الأمر ليس متأخرا رتبة عن القدرة على قصد امتثال الأمر تأخر المشروط عن شرطه، و إنما هو متأخر عن إمكان حصول القدرة بالأمر، و إمكان حصول القدرة بالأمر فعليّ قبل الأمر، و إن كانت نفس القدرة هي بعد الأمر، و لكن إمكان حصولها بالأمر مطلب واقعي ثابت قبل الأمر.
إذن فلا دور، و هذا غير ما يقال، من أنّ الأمر يشترط فيه القدرة وقت العمل، فإن ذاك الكلام لا يرفع إشكال الدور، لأن الأمر أصبح مشروطا بالقدرة على العمل، و القدرة في وقت العمل مشروط بالأمر، إذن صار كل منهما مشروطا بالآخر، و هذا دور.
و كلامنا لا يرجع إلى هذا، و إنما يرجع إلى أن القدرة على قصد الامتثال، متوقف على الأمر، لكن الأمر هنا ليس متوقفا و لا مشروطا بالقدرة، لا بالقدرة حينه، و لا بالقدرة في وقت العمل، بل هو مشروط بإمكان حصول القدرة به، و الإمكان أمر ثابت قبل الأمر، لأنه قبل الأمر يصدق قولنا، أنه لو