بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٢١ - الجهة الأولى في تشخيص مدلول صيغة الأمر
بداع آخر، إذ أن حملها على داع آخر، يحتاج إلى قرينة خاصة، و ما لم تقم تلك القرينة الخاصة، فالظهور الأولي يقتضي الحمل على الإرادة، فيصير مدلول العبارة التصديقي، هو الإرادة، لكن وقع الكلام في منشأ هذا الظهور، فكيف نشأ هذا الظهور، مع أن صيغة «افعل» مستعملة في معناها الحقيقي، و هو النسبة الإرسالية، فلما ذا يكون لها ظهور في أنها مستعملة بداعي الإرادة لا بسائر الدواعي الأخرى؟.
صاحب [١] الكفاية (قده) فسّر منشأ هذه الدلالة، على سليقته، حيث يمكن أن يقال، بأن الوضع قد قيّد في المقام، فوضع لفظ صيغة «افعل» للنسبة الإرسالية مقيّد بأن يكون الاستعمال، بداعي الإرادة مثلا أو بغيره من الدواعي، فيؤخذ هذا الداعي قيدا في نفس الوضع، لا في المعنى الموضوع له، حيث أن المعنى الموضوع له واحد في سائر الموارد و هو النسبة الإرسالية.
و هذه المحاولة تقدّم نظيرها منه، في بحث المعاني الحرفية، حيث ادّعى، بأن اللحاظ الآلي لم يؤخذ في المعنى الموضوع له، و لكنّه أخذ في نفس الوضع، و قد تقدم البرهان على بطلانه في بحث الوضع و المعاني الحرفية، حيث ذكرنا أن الوضع ليس من المجعولات الاعتبارية، على حد المجعولات الشرعية الصالحة لأن تؤخذ مقيدة بقيد من القيود الواقعية، فمحاولته لا ترجع إلى محصل، بل يمكن أن يبين هذا الظهور بتعبير آخر، و هو أن صيغة افعل لها دلالتان تصوريتان، دلالة تصورية على النسبة الإرسالية، و دلالة تصورية التزامية على الإرادة، من باب الملازمة بين الإرسال و الإرادة، و حينئذ، لو فرض، أنّ المدلول التصديقي لصيغة «افعل» كان هو الإرادة، إذن فقد تطابق المدلول التصديقي مع كلا المدلولين التصوريين لأنّ الصيغة دلّت تصورا على مفهوم الإرادة و دلّت تصديقا على واقع الإرادة،
[١] كفاية الأصول، مشكيني ج ١ ص ١٠٢.