بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٢٢ - الجهة الأولى في تشخيص مدلول صيغة الأمر
فالسنخيّة بين المدلول التصديقي و المدلول التصوري، محفوظة في المقام، و هي الأصل العرفي الارتكازي العام.
و أمّا إذا فرض أن المدلول التصديقي، كان عبارة عن التسخير تارة، و عن التعجيز أخرى، إذن، لم يحصل هناك تسانخ بين المدلول التصديقي و المدلول التصوري لأنّ الصيغة تدل تصورا على الإرسال الناشئ من الإرادة، و تصديقا لا تدل على الإرادة، و إنما تدل على التعجيز مثلا، فلم يكن هناك سنخية، بين المدلولين، فأصالة السنخية و التطابق التي هي أصل عرفي عقلائي عام، تكون بنفسها منشأ لنكتة ظهور الخطاب في أنه بداعي الإرادة لا بداع آخر.
و إن شئتم قلتم بتعبير آخر، أن سائر الدواعي الأخرى غير الإرادة بحسب الحقيقة، تفترض قبلها إرادة، و هذا بخلاف الإرادة فإنها لا تفترض قبلها تسخيرا و لا تعجيزا فإن من يستعمل صيغة «افعل» بداعي الإرادة، ليس له أي نظر إلى التعجيز و التسخير، و أمّا من يستعملها بداعي التعجيز أو التسخير مثلا، فلا يتحقق التعجيز و لا التسخير إلّا بافتراض الإرادة، لأن من يريد شيئا، حتى يظهر للآخر عجزه، يحتاج إلى فرض الإرادة، و لو ادعاء و عناية، بينما داعي الإرادة، لا يحتاج إلى الدواعي الأخرى، و لو عناية و ادعاء.
فمن هنا كان طبع المطلب يقتضي تعيّن داعي الإرادة، و حمل الصيغة على داعي الإرادة، حيث أن داعي غير الإرادة بنفسه يحتاج إلى عناية و مئونة زائدة، و هي فرض إرادة أولا، ثم التحول منها إلى بقية الدواعي، و هذه المئونة الزائدة، منفية بالإطلاق و مقدمات الحكمة.
إذن نخلص مما تقدّم، بخمس حيثيات لصيغة افعل: اتضح أنّ للصيغة مدلولين تصوريين، مدلول تصوري مطابقي، هو النسبة الإرسالية، و مدلول تصوري بالملازمة، هو عبارة عن الإرادة، لأن الإرسال ملازم للإرادة فيكون الدال على أحد المتلازمين تصورا دالا أيضا تصورا بالدلالة التصورية الالتزامية على ملزومه، ثم إنّ وراء هاتين الدلالتين، دلالة تصديقية، بمعنى كون الصيغة