التنقيح - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٣٨٧ - ظهور الآية في وجوب التفقه و الإنذار
إلى الجهاد كما يظهر من قوله: وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً و أمر- تخلف المتخلفين، لا لوجوب النفر على النافرين، فيدلّ على المطلوب أيضا لاقتضائه كون التفقه و الإنذار واجبين لكونهما غاية لواجب.
لكن هذا الوجه خلاف ظاهر نظم الآية، لأن رجوع واو الجماعة في قوله:
لِيَتَفَقَّهُوا على النافرين المذكورين صريحا أولى من رجوعها على المتخلفين المفهومين ضمنا، كما لا يخفى.
بل هو خلاف أكثر الأخبار الآتية المستشهد فيها بالآية.
نعم هذا الوجه لا ينافي قرينة السياق بخلاف الوجه الثاني، لما عرفت من أن الوجه الثاني يقتضي عدم وجوب خروج الجميع مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و هو لا يلائم الآية السابقة، أما هذا الوجه فهو إنما يقتضي عدم خروج الجميع عند بقاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في المدينة، فلا ينافي الآية السابقة الظاهرة في لزوم الخروج مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
و عن ابن عباس أن اللّه لمّا حثهم على الجهاد في الآيات السابقة و عاتبهم في التخلف سير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سرية، فأراد الناس الخروج بأجمعهم فنزلت هذه الآية و أمرتهم بالانقسام، فبعض يبقى و بعض يخرج، فهذه الآية خاصة في الغزوة التي لا يخرج معها النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و ما قبلها مختص بالغزوة التي يخرج فيها (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
و عن الباقر (عليه السلام): أنه كان هذا حين كثر الناس، فأمرهم اللّه أن تنفر منهم طائفة و تقيم طائفة للتفقه و يكون الغزو نوبا.
و الذي تحصل: أن التفسير الأول مخالف للسياق من دون أن ينافره و مناسب لنظم الآية و للأخبار الآتية، و الثالث بعكسه مناسب للسياق غير مناسب لنظم الآية و لا للأخبار الآتية، و كلاهما دال على المطلوب، لاقتضائه كون التفقه غاية لواجب و هو نفر النافرين أو بقاء المتخلفين.
و أمّا الثاني فهو موهون جدا لمنافرته للسياق و للأخبار الآتية، و إن كان مناسبا لنظم الآية.