التنقيح - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٤٠٧ - المناقشة في الاستدلال
المؤمنين، فتعين إرادة التصديق بالمعنى الذي ذكرنا.
و يؤيده أيضا ما عن القمي (رحمه اللّه) في سبب نزول الآية أنه نمّ منافق على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأخبره اللّه ذلك، فاحضره النبي و سأله فحلف أنه لم يكن شيء مما ينم عليه، فقبل منه النبي، فأخذ هذا الرجل بعد ذلك يطعن على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و يقول: إنه يقبل كل ما يسمع، أخبره اللّه أني أنمّ عليه و أنقل أخباره فقبل، فأخبرته أني لم أفعل فقبل، فرده اللّه تعالى بقوله لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): قل أذن خير لكم.
و من المعلوم أن تصديقه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للمنافق لم يكن بترتيب آثار الصدق- ثم إن ظاهر المصنف (قدّس سرّه) أن كونه يؤمن للمؤمنين إنما هو لكونه أذن خير لهم فهو تتمة للحكم الأول، و لذا حمل المؤمنين- كما يأتي- على مجرد المظهرين للإيمان، ليعم المنافقين الذين نزلت فيهم الآية.
و لعله خلاف الظاهر و أن الظاهر أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يؤمن للمؤمنين الحقيقيين إيمانا حقيقيا، و يكون هذا ردعا عما اعتقده المنافق من تصديق النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) له حقيقة، فيكون المراد أنه أذن خير لكم حيث يقبل منكم و يصدقكم ظاهرا و لا يعاقبكم، و أما تصديقه الحقيقي فهو للمؤمنين، و إلا فحمل المؤمنين على مطلق المظهر للإيمان و لو كان منافقا بعيد عن مساق الآية الشريفة جدا و لا سيما قوله بعد ذلك: «و رحمة للذين آمنوا منكم و الذين يؤذون رسول اللّه لهم عذاب أليم».
و عن بعض المفسرين ما يناسب هذا المعنى بل عن تفسير العياشي عن إبراهيم بن هاشم (قدّس سرّه) بعينه فراجع مجمع البيان.
و حينئذ فقد يستدل بقوله تعالى: وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ على حجية خبر المؤمن و ينحصر الجواب حينئذ بالوجه الأول. أو بما يأتي من أن تعدية الإيمان بالباء مانعة من الدلالة على إرادة التصديق و قد عرفت الإشكال في الأول و سيأتي الإشكال في الثاني.