الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٥١ - مشاركة الأزهر في الحياة العقليّة في عصر الفاطميين
النظر، و جردوا من شوب العصبية و الهوى الفكر، لعلموا أن أحدهم لو قيل له في شيء من خاصة أعماله، و ما يصدر عنه من أقواله و أفعاله، إن فعلك هذا على غير أساس العقل موضوعه، و لا من مطالعه طلوعه، لاستشاط من ذلك غضبا، و لقام له مكذبا، و في مثل هذه المواجهة مستذنبا، فكيف يرضون للأنبياء الذين هم سادات دينهم، و الوسائط بينهم و بين ربهم ما لو قابلهم بمثله مقابل لكرهوه، أم كيف لا يعتبرون أن الخطاب في كتاب اللّه كله مع أولي الألباب بقوله اللّه تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ* و قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ، و ما يجري مجراه مما كثر و تكرر، و ليس يخلو من كون هذه الأوضاع الشرعية ليس لها برهان من العقل عند الرسول (عليه السلام)، الآتي بها نفسه أو كون البرهان عنده فلم يشعر به، فإن كان لا برهان لها عنده فهو فحش، فلو أن سائلا سأله عن العلة التي اقتضت أن يجعل الصلاة خمسا، و لا يجعلها ستا، فكان يقول لا أدري، لكفاه طعنا أن يأتي بشيء لا يدري العلة فيه إذا سئل عنها، و إن كان لها برهان عند نفسه عقلى- و البرهان مما يجمل الأقوال و الأفعال- ثم لم يظهره فلم يقم إذن بحق البلاغ، و هذا منتف عن الرسول (عليه السلام)، لأنه بلغ و قال في النادي: «اللهم اشهد أني بلغت» و سوى هذا فمعلوم أن الرسول عليه الصلاة و السلام لم يكلف تكليف الشريعة إلا ذا عقل، فكيف يكلف ذا عقل ما كان موضوعه على غير عقل، لأن ما كان موضوعه على غير عقل، فهو بغير ذي عقل أولى منه بذي عقل، و ما السبب في تولية العقل أولا و عزله آخرا؟ و لما لا تكون التولية آخرا ككونها أولا، أو العزل أولا ككونه آخرا؟ و هذا مما لا خفاء به على منصف.
و المعلوم أن الفلاسفة يدعون العلوم العقلية و الأمور الحقيقية، و أن المسلمين يكفرونهم مع ذلك، لانقطاعهم عن سبب الرسالة، و قولهم أنهم غنوا عن الأنبياء في معرفة معالم نجاتهم، و أن الحاجة إليهم لسياسة أمور الدنيا فقط، بتحصين الدماء و الأموال، و منع القوي عن الضعيف.