الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٩١ - الشيخ مصطفى عبد الرازق
الفتنة موقف الحياد، و حين كانوا يجادلون في مقترف الكبيرة أمؤمن هو أم كافر أم هو يصير إلى منزلة بين منزلتين من الإيمان و الكفر أم هو مرجأ إلى اللّه يقضي في أمره بالحق؟ و حين صاروا من هذا الجدال إلى الجدال في أمور أخرى أعمق من هذه الأمور، فجادلوا في العدل و التوحيد، إنما كانوا يفلسفون في مسائل الدين قبل أن يعرفوا الفلسفة اليونانية، بل قبل أن يحسنوا العلم باللاهوت عند المسيحيين و اليهود. و معنى ذلك أن المسلمين قد أنشأوا فلسفتهم الأولى من عند أنفسهم، و كانت فلسفة يسيرة سمحة كالإسلام نفسه، ثم لقيت الفلسفة اليونانية بعد ذلك فأدركها ما في هذه الفلسفة من العسر و التعقيد.
و كذلك جره الوفاء للشافعي، (رحمه اللّه)، إلى استكشاف مذهب جديد في الفلسفة الإسلامية له خطره العظيم أن عرف تلاميذه كيف يتعمقون و ينتهون به إلى غايته.
و كان وفيا للذين عرفهم و حسنت الصلة بينه و بينهم من الأساتذة الفرنسيين حين أقام في فرنسا طالبا للعلم الحديث، بعد أن أخذ بحظه من العلم القديم في مصر.
عرف أستاذا فرنسيا شابا في إحدى الجامعات هناك و اشتد الألف بينهما، ثم أعلنت الحرب العالمية الأولى، و دعى ذلك الأستاذ الفرنسي إلى أداء واجبه العسكري، فاستجاب للدعاء و ترك زوجة و ليس لها عائل، فكان مصطفى عبد الرازق يؤثرها على نفسه بالنصيب الأوفر مما كان يصل إليه من المال، لا يتردد في ذلك و لا ينقطع عنه حتى عاد إلى مصر. و اللّه يعلم ماذا فعل بعد عودته. و قد عرفت ذلك من الأستاذ الفرنسي نفسه، و قد كلمت فيه مصطفى فغير مجرى الحديث، و ظل وفيا لهذا الأستاذ، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها، و مضى شيء من الوقت، و خلا منصب فني من المناصب في مصر، و لم يكن بين المصريين من يستطيع النهوض بأعباء هذا المنصب، و أخدت الحكومة تبحث عن أجنبي- جدّ مصطفى حتى اختير صديقه ذاك لهذا المنصب. و سألته عن عنايته الخاصة بهذا