الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٨٦ - الأزهر في عهد الدولة الأيوبية
القاضي عياض بإحراق كتب الغزالي لما يوجد بها من أشياء لا يرتضيها أهل السنة. و نقل الكمال بن الهمام عن أحد علماء الحنفية أنه لا تجوز المناكحة بين أهل السنة و الاعتزال.
و ظل هذا التعصب يشتد و يشغل أمره العلماء، فاتهم كل مجتهد يخرج على التقاليد العلمية في عصره بالزندقة و الضلال. و الضلال يومذاك كانت كلمة ترادف التفكير الحر الذي لا يرضى بالتقليد، و لا يرضى أن يكون في آرائه من العبيد. و كان الضلال عنوان نضوج العقل، أو كما يقول الغزالي: و أستحقر من لا يحسد و لا يقذف، و أستصغر من بالكفر أو الضلال لا يعرف.
و لما كثرت المدارس في عهد الأيوبيين و أرادوا جذب أساتذة الأزهر إليها، أغدقوا لهم في العطاء، و أجزلوا في المرتبات، و بعد أن كان العلماء يعتمدون في العصور الأولى على أنفسهم في سد حاجات عيشهم عن طريق السعي وراء الرزق أو استجلاب الربح من صنعة أو حرفة، فكان منهم في العصر الأول البزاز و الزجاج و الصائغ و الصباغ و الفراء، إلى ما لهم من شهرة في العلم، أصبحوا في هذا العهد و ما تلاه من عهود المماليك يعتمدون على الدولة و ما تعطيهم من إعانات، و ما تدره عليهم من غلات أوقاف، أو نظارات في حياتهم، مما مكن للدولة من ضمان بقائهم في صفها، و لم يدع للعلماء حرية كاملة في إبداء ما يرون من آراء على الوجه الذي يرضي اللّه و الضمير و الحق و العدل. بل كثيرا ما كان هذا النوع سببا في تحاسد العلماء و سعى بعضهم ببعض عند الأمراء، لتوجبه وظيفة أو إعطاء وقف.