الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٨٥ - الشيخ مصطفى عبد الرازق
جمع اللّه له من خير ما يحمد لعباده الصالحين، فمنحه سلامة الفطرة، فكان من أسلم الناس نفسا، و منحة سداد العقيدة فكان من أنفذ الناس بصيرة في الدين، و من أشدهم استمساكا به و اعتصاما بهديه، و منحه العلم الصحيح و المعرفة الواسعة فكان من أجمع الناس لعلوم الشرق و الغرب، تمثلهما عن خبرة و دراية و إمامة، و هو بهذا من الأمثلة الكاملة في الشرق للثقافة الإسلامية الكاملة. فإذا أراد الأزهر مثالا أعلى لأبنائه و إذا أراد الأزهر مثالا أعلى لشيوخه و رؤسائه، فإن مصطفى عبد الرازق هو المثل الذي يعز نظيره و يندر وجوده. و هل هناك أدلة على بنوته الأصيلة للأزهر من أن ثقافته الحديثة لم تحل بينه و بين أزهريته في جميع مراحل حياته، و بقي ابنا للأزهر في روحه و عمله و في وفائه لأصدقائه؟ و قد بالغ في التمسك بأزهريته إلى حد أنه و قد تقلد منصب الوزارة لم يستطع أن يغير زيه الأزهري و قد قبل منه ذلك على روى. و هل هناك دليل على تأصل الروح الأزهري في نفسه أظهر من هذا؟ إن الطلبة الأزهريين الآن يحاولون أن يخلعوا أزياءهم ليبرزوا في صورة أخرى زعموا أنها هي الموافقة لروح العصر، فكيف تقول في رجل سافر إلى أوروبا و تولى من المناصب و خالط من الأشخاص و الهيئات و البيئات ما كان يلح في دعائه إلى تغيير زيه فلم يجد منه ذلك كله إلا إباء و امتناعا و اعتصاما بكل ما يدل على أنه ابن الأزهر؟ و مسألة الزي عندنا مسألة شكلية، و لكني قصدت أن أشير إلى مظهر للأزهرية الأصيلة في نفس مصطفى عبد الرازق، و هذه الأزهرية الصحيحة هي التي مكنت له أن يجمع بين ثقافة الشرق و الغرب فلم يختلفا عليه، و لم يستعص عليه أمرهما كما استعصى على غيره. و إذا تحدث متحدث عن مصطفى عبد الرازق فلن يستطيع أن يغفل الحديث عن سماحة نفسه و عطفه على المحتاجين، و إن كان حديثه معادا، لأن في تكرار هذا الحديث متعة لنفس المتحدث و نفوس السامعين، يعرف هذه السماحة كل موطن من المواطن التي عاش فيها الفقيد موظفا و غير موظف، في الجامعة و في الأزهر، يعرف الطلبة الذين كاد الفقر أن يحول بينهم