الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٩٤ - الشيخ مصطفى عبد الرازق
أن يأخذوا في العمل قبل حضوره. فكانوا ينتظرون و ينتظرون، و ربما اضطرهم ذلك إلى بعض الضيق، و لكنه كان يطلع عليهم بابتسامته الحلوة تلك، فلا يكادون يرونه حتى يضحكوا له، و لا يأخذون في عملهم إلا بعد دعابة لا تمل.
و كان لهذه الأناة أثرها في كتابته، فأنت لا تجد فيما يكتب معنى نافرا أو فجا لم يتم نضجه قبل أن يعرب عنه. و أنت لا تجد فيما يكتب لفظا نابيا عن موضعه، أو كلمة قلقة في مكانها، و إنما كان كلامه يجري هادئا مطمئنا كما يجري ماء الجدول النقي، حتى حين يداعب صفحته النسيم و كنت أشبه له كتابته بعمل صاحب الجواهر: يستأني بها و يتأنق في صنعها لتخرج من يده جميلة رائعة تثير فيمن يراها المتعة و الرضى و الإعجاب. كان يتأنق في فنه كما كان يتأنق في حياته كلها، و كما كان يتأنق في سيرته مع الناس جميعا، سواء منهم من كان يألف و من كان يجفو. فلست أعرف أن أحدا سخط عليه أو ضاق به أو شكا منه. كان راضي النفس، يبعث الرضى في نفوس الناس حين يرونه و حين يسمعونه و حين يقرؤون له.
و اني لأذكر حديثا له ألقاه في مؤتمر من مؤتمرات المستشرقين في مدينة «ليدن» و كان المؤتمرون كثيرين، و كانت أحاديثهم كثيرة متنوعة، و كان رئيس الجلسة مضطرا إلى أن يقدر للمتحدثين عشرين دقيقة لا يعدوها احد مهما يكن حديثه. و قد التزم المؤتمرون ذلك و لم يخالف عنه أحد منهم. فلما أخذ مصطفى في حديثه في صوته ذاك الهادىء العذب الرقيق أصغت إليه الآذان، ثم صغت إليه القلوب، ثم اتصلت به النفوس، و كان يقطع حديثه بين حين و حين و يلتفت إلى الرئيس مبتسما كأنه يسأله: أيمضي في حديثه! فيشير الرئيس إليه: أن نعم، حتى إذا أتم حديثه كان قد جاوز الأربعين من الدقائق. لم يحس أحد أنه قد أطال، و أخذ من الوقت أكثر مما كان ينبغي له.
و اقرأ هذا السفر الضخم الذي تختلف فيه الأحاديث و الموضوعات