الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٨ - الفصل الثالث تأسيس الأزهر و بدء حياته الجامعيّة
و أنشأ لهم دارا للسكنى بجوار الأزهر، و خلع عليهم في يوم الفطر، و أجرى عليهم ابن كلس أيضا رزقا من ماله الخاص [١].
و في عام ٣٨٠ ه رتب المتصدون لقراءة العلم بالأزهر، و بذلك صار الأزهر معهدا جامعيا للعلم و التعليم و الدراسة، و كان هؤلاء الأساتذة الذي رتبهم ابن كلس للقراءة و الدرس بالأزهر و أقرهم العزيز باللّه أول الأساتذة المدرسين الذين عينوا بالجامع الأزهر الشريف، و من هذا التاريخ يبدأ الأزهر حياته الجامعية العلمية الصحيحة .. و في الحق أن هذا يدل على أن ابن كلس كان وزيرا عظيما و عالما جليلا و أديبا كبيرا.
و كان يعقد بداره مجالس علمية و أدبية دورية ينتظم في سلكها أكابر الفقهاء و الأدباء و الشعراء [٢]، و كان يشرف بنفسه على هذه المجالس، و يشترك في أعمالها، و يغدق العطاء على روادها. و قد أخذ ابن كلس بقسط حسن في التأليف و الكتابة فوضع كتابا في القراءات، و كتابا في الفقه، و كتابا في آداب رسول اللّه، و كتابا في علم الأبدان و الصحة، و مختصرا في فقه الشيعة مما سمعه من المعز لدين اللّه. و هو المعروف بالرسالة الوزيرية. و كان يقرأ كتبه على الناس تارة بالجامع الأزهر و تارة بداره، و يجتمع لديه الكتاب و النحاة و الشعراء فيناظرهم و يصلهم، و كانت موائدة دائما منصوبة معدة للوافدين، و كان كثير الصلات و الإحسان، و بالجملة فقد كان هذا الوزير و العالم الأديب مفخرة في جبين عصره، و قد أشاد شعراء العصر بجلاله وجوده، و من ذلك ما قاله أحدهم حين أصابت الوزير علة في يده:
يد الوزير هي الدنيا فإن ألمت* * * رأيت في كل شيء ذلك الألما
تأمل الملك و انظر فرط علته* * * من أجله و اسأل القرطاس و القلما
و مرض ابن كلس في شوال سنة ٣٨٠ ه، فجزع عليه العزيز أيما
[١] صبح الأعشي عن المسبحي ٣٦٧ ج ٣، و خطط المقريزي ص ٤٩ ج ٤.
[٢] ٤٧ تاريخ الأزهر لعنان.