الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٩٢ - الشيخ مصطفى عبد الرازق
الأستاذ وجده في السعي له، فأنبأني بأنه يرى فيه الكفاية لمنصبه أولا، و بأنه فقد زوجه و جزع لفقدها، فمن الخير أن يترك وطنه و مدينته و يشغل عمله ذاك الجديد، عسى أن يجد في ذلك عزاء و تسلية.
و ربما جر عليه وفاؤه ذاك بعض ما كان يضيق به من الأمر، و لكنه لم يحفل قط بعواقب الوفاء أتكون خيرا أم شرا، بل لم يحفل قط بعواقب الواجب و ما يمكن أن تجر عليه مما يسوؤه أو يرضيه. كان سعد زغلول منفيا عن وطنه و كانت زوجه تعيش في دارها بالقاهرة يبرها المصريون و السعديون منهم خاصة، و كان مصطفى من أسرة تذهب مذهب الأحرار الدستوريين الذين كانوا يخاصمون سعدا أشد الخصام، و كان مفتشا قضائيا بوزارة العدل، و أقبل عيد من الأعياد، فلم يتردد مصطفى في أن يذهب إلى دار سعد و يترك بطاقته هناك.
و انقضت أيام العيد، و ذهب مصطفى إلى عمله، فلم يكد يستقر في مكتبه حتى دعي للقاء الوزير. فلما لقيه قال له الوزير: ألم أعلم أنك ذهبت الى دار سعد و تركت فيها بطاقتك يوم العيد؟ قال مصطفى: قد كان ذلك. قال الوزير: أو لم تعلم أن سعدا يناوىء الحكومة القائمة و أن زيارة داره سياسة محظورة على الموظفين؟ قال مصطفى: تلك مجاملات لا شأن لها بالسياسة و لا بالحكومة، قال الوزير: فأنت مفصول منذ الآن. قال مصطفى: أنت و ما تريد. و عاد مصطفى إلى داره غير حافل بما كان.
و لكن رئيس الوزراء ثروت باشا، (رحمه اللّه)، علم بالأمر فعاتب الوزير فيه، و ترضى ذلك الوفى الذي وشت به الأرصاد فعوقب على الوفاء.
و البر بطلاب العلم خاصة، و بكل من يحتاج إلى البر عامة، كان الخصلة الثالثة من خصال مصطفى عبد الرازق. فلم أعرف قط قلبا ابر بفقير و لا نفسا أرق لذي حاجة، و لا يدا أسرع إلى العطاء، من قلب مصطفى عبد الرازق و نفسه و يده.
كان أستاذا في كلية الآداب بجامعة القاهرة، و كنت لها عميدا في