الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٨٦ - الشيخ مصطفى عبد الرازق
و بين عايتهم، فكان مصطفى عبد الرازق هو الذي يكفيهم، و هو الذي يفرج عنهم- بفضل اللّه عليهم و عليه- هذه الشدة، و تعرفه عائلات فقيرة أخنى عليها الدهر، فكان مصطفى عبد الرازق غوثها و مددها و عائلها، يخفى ذلك عن الناس، و لو استطاع لأخفاه عن نفسه، حتى لا تعرف شماله ما تنفق يمينه.
و في مارس عام ١٩٤٧ أيضا أقام معهد المنيا الديني حفلة تأبين للمغفور له الأستاذ الأكبر الراحل، ألقى فيها صاحب الفضيلة الشيخ محمود أبو العيون خطبة بليغة جاء فيها: فجع الأزهر في شيخه فجاءة، فكانت صدمة الفجيعة فيه شديدة، صدمة روعت القلوب، و أذهلت النفوس، و أدهشت العقول. وقعت الواقعة في وقت كان الأزهر يستشرف بواكير أعمال شيخه الجليل و إصلاحاته التي وضع أسسها في أيامه القليلة التي قضاها بين ربوعه .. إن الشيخ مصطفى كان يحمل على أطواء قلبه النابض بالخير للأزهر و الإسلام بنود العمل المجيد، و النهضة الصالحة للجامعة الأزهرية بما يكفل لها الحياة الأزهرية القيمة، و المستوى الرفيع بين جامعات الأمم المتحضرة. و كان طموحه و هدفه أن ييسر للأزهر النهوض برسالته الدينية و الجماعية، و نشر السلام و الطمأنينة في هذا العالم المملوء بالشرور و القلق الروحى.
كان يجمعنا إليه و يضع الاقتراح في مسألة معينة من مسائل الإصلاح في الأزهر، و نتداول الرأي فيها و يدلى هو برأيه كالمستفهم، و في النهاية يستقيم الأمر على الأساس الذي ارتآه في نفسه و في سريرته. و هكذا دواليك، حتى اجتمع من ذلك جملة مسائل للإصلاح الذي انتواه، و وضع أساسه، و أزمع إجراءه. و في الحق: انه ما كان يقطع برأى دون الإجماع منا على استحسانه و نفعه، و كان سبيله في الإقناع الرفق و اللين، و الحجة الناطقة، و البرهان الواضح. وضع مرة مسألة أمامنا: فقيدنا العظيم، و وكيل الأزهر، و مديره، و المائل أمامكم. تداولنا الرأي في المسألة فكان رأيي مخالفا للجميع في صلابة. فابتسم المغفور له ابتسامة عميقة الإحساس،