الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٧٧ - الشيخ محمّد مصطفى المراغي
الاعتقاد بما يراه أهل التقليد، و كان له مع هذا كله قدرة عظيمة على التعبير عن أفكاره، في لفظ رائق و أسلوب قوي و بيان فصيح، و هذا هو السر في أنه ظهر بين شيوخ الأزهر مبرزا قويا، مجلجلا مدويا، و إن لم يكن أكثر علما من الشيخ أبي الفضل و لا من الشيخ الشربيني.
إن العلم كسائر ما وهبه اللّه للناس، منه مبارك فيه، يجل به النفع، و يسري من صاحبه إلى غيره سهلا مفيدا، و منه ما ليس كذلك، و ليست العبرة على كل حال بالقلة أو الكثرة، و قد كان المغفور له الشيخ المراغى كالمغفور له الأستاذ الإمام الشيخ عبده من أصحاب العلم النافع المبارك فيه .. ثم قال.
لقد كنت أنا و الشيخ المراغى صديقين حميمين، كلانا يحب صاحبه، و يقدر فيه مواهبه، و لم تكن هذه الصداقة عارضة بل كانت أصيلة، مرت بها عهود، و أعمال مختلفة اشتركنا فيها و لكننا مع ذلك اختلفنا بعد لأي من مشيخته الثانية للأزهر، و كان خلافنا معروفا للخاصة و العامة من الأزهريين و غيرهم، و سببه الجوهري ميله (رحمه اللّه) إلى ناحية السياسة الحزبية و شدة نفوري من ذلك، فإني أرى أن الخير كل الخير في أن يتجنب العلماء السياسة الحزبية، و ينأوا عن مكايد الحزبية و متاعبها التي تقضي إلى ما لا يحمد من العواقب، و لكن هذا الخلاف لم يخرج بي و لا به عن الجادة، و ما ينبغي أن يكون عليه أهل العلم من المودة و النصيحة، فكنت أبدي له ودي و نصحي، و أنقد مع ذلك بعض تصرفاته التي أرى أن مبعثها غالبا هو ذاك، و كان يتقبل ودي، و يبادلني إياه، و يعتذر عن عدم مشاطرتي الرأي فيما أنقده فيه، أو يبدي من المبررات ما يراه لفعله. و على كل حال لم يكن هذا الخلاف بالذي يقطع ما بيننا من محبة و تعاون، بل كان خلاف الشرفاء و الحمد للّه.
لقد كان (رحمه اللّه) في عهد مشيخته الأولى مؤيدا تمام التأييد، و كنت معجبا بآرائه و أفكاره الإصلاحية و طريقته في الإدارة، و تركيز قواه و ما آتاه اللّه من مواهب في الأزهر و إصلاح شأنه، و لقد كنت أعاونه معاونة