الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٤٢ - الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت
الأكبر. فقال في بضع كلمات: «إنه معهد الدين و حصن اللغة المكين».
و من أراد هذه الرسالة للجامع الأزهر، فقد عرف من قبل رسالة القرآن الكريم، بل عرف المعجزة الكبرى لهذا الكتاب في ناحية إعجازه التي لا مراء فيها، و هي معجزة الأثر الخالد التي نستطيع نحن- أبناء هذا العصر- أن ندركها و أن يكون إدراكنا لها أقوى و أوضح ممن سبقونا إلى العلم بمعجزة الكتاب المبين.
معجزة الأثر في ألف و أربعمائة سنة أقوى و أوضح من معجزته التي شهدها أبناء القرن الأول ثم شهدها أبناء القرون الأولى بعد عصر الدعوة ... فإننا اليوم نستطيع أن ندرك تلك المعجزة التي لا نظير لها و التي تقاصرت عنها الهمم و وقفت دونها دعوات الأفراد و الأمم، و تم بها ما يتم بعمل إله و قول إله، و هيهات أن يتم بجهد الإنسان بغير معونة اللّه.
أربعمائة مليون من بني آدم فرقتهم الأجناس و اللغات و البقاع و الأزمان، و جمعتهم كلمات القرآن.
و كلمات حفظت اللغة التي نزلت بها و ليست هذه اللغة هي التي حفظتها، و لم يتفق قط للغة من اللغات أن عاشت بكتاب واحد مدى هذه السنين، فلم تعش لغة اليونان خمسمائة سنة بكتاب هوميروس، و لم تعش لغة اللاتين بعض هذه السنين بلغة فرجيل و هوراس، و ذهبت لغة فارس و لغة الهند و فيها من الكتب ما لا يقرأه اليوم غير كهان المحاريب، و ماتت لغات أخرى كانت تعيش قبل الإسلام و بقيت لغة القرآن حية في عالم الديانة و في عالم الكتابة و في عالم الثقافة، و ستحيا غدا كما حييت بالأمس، ماشاء اللّه، و صح فيها قول الأستاذ الفقيه: «إنها ليست في هذا المقام عربية الإقليم و الجو و لا عربية النسب إلى أصل ينتسب إليه الجنس ... و صارت عربية الشخصية المعنوية المكونة من عنصرى العروبة و الإسلام ...».
و لما تكلم عن غايته من التعليم في المعهد الأكبر الذي تولاه قال: