الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٧٩ - الشيخ محمّد مصطفى المراغي
ما يمثل مطالب روحهم في مكان آخر، أو- و هو الأرجح- اندفعوا في تيار الفلسفة المادية لا يلوون على شيء، على مثال غيرهم من الأمم الأخرى. إن الشيخ المراغى كان يجيد فهم هذه الناحية من نفسية المعاصرين، و كان يعمل في سبيل الوصول إلى ما أشرنا إليه في تؤدة و رفق، صابرا على ما يحتوش هذه التؤدة، مما يخيل أنها الوقوف بل القهقري بل الانحلال الذريع، و الحقيقة كانت غير ذلك لمن يتأملها تحت ضوء النظر البعيد، و التفكير العميق في مستقبل العقيدة الإسلامية.
كان المراغى يعلم أن العالم المتمدن اليوم انتهى إلى حد من عقائده، أملته عليه فلسفة بوخنر و هايكل و مولخوت الخ، و ان العالم الإسلامي يترسم خطواته شبرا بشبر، مدفوعا بطبيعة الدراسات العلمية التي لا بد له منها، و كان يعلم أن الأزهر في حالته التي هو عليها لا يصلح أن يقف حائلا دون هذا التطور، و إنه لا بد له من انقلاب ذريع يطرأ عليه ليصبح جديرا بالمهمة التي أرادها مؤسسوه منه في كل عهد فماذا يفعل؟
و ليس بين يديه ممن يحسون بهذا الخطر سوى عدد نزر، لا يكفون لإحداث انتقال خطير، يتأدى به إلى غرضه بالسرعة المرجوة؟
اضطر لأن يسير وئيدا، و السير الوئيد في مثل هذا العهد جريمة.
فماذا يفعل و الأحوال حوله تجري في تيار معاكس؟ و كثيرا ما رأى أن الأولى به التخلي عن وظيفته، لو لا أن الشعب كان يرى أن ليس لهذه المهمة العالمية غيره فيتمسك به.