الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١٦٢ - عمر مكرم الأزهري الزعيم المصري الخالد
المحتلين لتفوقهم في معدات القتال، و فرضوا على السكان غرامة مقدارها عشرة ملايين من الفرنكات، و لجأوا الى أحط وسائل العسف و القسوة في تحصيلها، و نقموا على زعيم الحركة، فأمروا بنفيه الى مدينة دمياط.
جلت الحملة الفرنسية و عادت مصر إلى حكم العثمانيين، و في خلال السنوات الخمس المتعاقبة تولى الحكم خمسة من الولاة، قتل منهم اثنان و طرد الباقون بعد أن سجنوا في القلعة .. كان آخر هؤلاء الولاة أحمد خورشيد، و كان رجلا ضيق الأفق، من بقايا الارستقراطية العثمانية، يدعى السيادة على كل شيء، و لكن دولته كانت تخذله فلا تمده بالمال و الرجال .. كان في موقف حرج، فخزائنه خاوية من المال لدفع مرتبات الجند، و المماليك يغيرون على القرى و يتولون تحصيل الضرائب و الاستيلاء عليها، و طبقات الشعب متذمرة من الكلف الفادحة المفروضة عليهم. فاحشدت في الأزهر جموع من التجار و الصناع و طلبة العلم و جاهروا بالتمرد و العصيان، ثم أغلقوا المتاجر و المصانع و المنازل، حتى بدت القاهرة كمدينة مهجورة.
و انتهز محمد على أحد قواد الفرقة الألبانية غير النظامية فرصة تذمر طبقات الشعب، فصار يتودد إلى مكرم بوصفه زعيم الشعب، و يزوره سرا في الليل و يستميله بشتى الوعود، و يقسم له الإيمان الكاذبة بأنهم أن مكنوه من الحكم، فإنه يسير حسب نصوص الشرع، و الإقلاع عن المظالم، و لا يبرم امرا إلا بمشورة العلماء، و انه إذا خالف هذه الشروط عزلوه، و أخرجوه من الحكم.
و صدق عمر مكرم هذه الوعود، و أخذ على عاتقه إقناع العلماء بمشاركته فكرته، و أذاع نداء على الشعب بالاجتماع امام المحكمة الشرعية. فلما كان اليوم التالي خرج الأفراد و الجماعات من دورهم و مصانعهم و متاجرهم، و أقبل المزارعون من الضواحي حتى احتشدت بهم الطرق و المسالك المؤدية إلى المحكمة، و كانوا جميعا يهتفون بقولهم: «يا رب يا متجلي أهلك العثمانلى»، و هم يقصدون طبعا الوالي العثماني، ثم