الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٩٩ - ١- في عهد السلطان بيبرس و السلاطين بعده
قدم الشيخ عز الدين إلى مصر سنة ٦٣٩ ه من دمشق، فتلقاه صاحب مصر و سلطانها الصالح نجم الدين أيوب بالإكرام و الإجلال، و أحاطه علماؤها و فقهاؤها بالتقدير و الاحترام، حتى امتنع الشيخ زكي الدين المنذري عن الإفتاء تأدبا معه، و قال: كنا نفتي قبل حضوره، فمنصب الفتيا متعين فيه .. و بالغ السلطان نجم الدين في إكرام الشيخ فولاه قضاء مصر و الوجه القبلي، و قبل الشيخ المنصب على إن يؤدي فيه حق اللّه كما يجب، و أن تكون كلمة الشرع هي الفاصلة بين الحاكمين و المحكومين، فلا دالة لصاحب سلطان، و لا تهاون مع ذي جاه، و لكن الناس سواسية أمام الحق، و في شرط الإسلام، و على هذا تقلد الشيخ المنصب و تحمل العمل فيه.
و كان أول موقف للشيخ تجاه أصحاب النفوذ و السلطان بين الناس، و كان موقفا عجبا، ذلك أن السلطان قد أكثر من شراء الترك و تأميرهم على البلاد ليكونوا أعوانه و عيونه، و قد استشرى أمر هؤلاء الأتراك و صاروا أصحاب الجاه و النفوذ على الرعية لا يبالون في ذلك بطشا و لا ظلما يقع على الناس، و ما كان في الناس من يستطيع أن يتصدى لهم أو ينكر عليهم، و نظر الشيخ ابن عبد السلام فرأى في ذلك فسادا لا يستقيم به حق الدين و لا واجب الحكم، و لما بحث الشيخ الأمر في حقيقة هؤلاء الأمراء الأتراك رأى أنهم بحكم الشرع أرقاء لسادتهم من أبناء مصر، و ذلك لأن السلطان قد اشتراهم بمال الدولة و ما زال حكم الرق مستصحبا عليهم، و كان أن جلس الشيخ و كتب فتواه بأنه لم يثبت عنده أن هؤلاء الأمراء الأتراك أحرار و أن حكم الرق مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين و أنه لا بد من بيعهم و صرف ثمنهم في وجوه الخير و مصالح الأمة. و كان من جملة هؤلاء الأمراء نائب السلطنة، و كلهم أصحاب حكم و سلطان.
و بلغت الفتوى أولئك الأمراء، فامتلأوا غضبا و غيظا، و أدهشتهم تلك الجرأة من ذلك الشيخ الفقيه عليهم، و أرسلوا إليه أن يكف عن هذا