الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٨٧ - الشيخ مصطفى عبد الرازق
ثم قال: لعل لفلان حجة يكون فيها مقنع لنا. و ما زال بي يلطف و يرق، و يعالج و يقنع، حتى جرني إليه و أسلس قيادي، فكنت في صف الجماعة.
و كان شيخنا كثير الحلم و الأناة. و أذكر أنه عرض من بعض الطلبة شيء مخالف قبيل وفاته مما يستفز صدر الحليم، فرعد و زمع، و تمعر وجهه على غير عادته، فقلت: سيدي أين غاب عنك حلمك، و لم تغيرت عادتك في هذه المرة؟! فقال مبتسما، و في صوت مرنان: و من ذا الذي ياعز لا يتغير؟
إن الأزهر حين فجع في شيخه الأكبر، فإنما فجع في أسمى و أطيب و أعرق الخلال الكريمة التي لو وزعت على جماعة كثيرة لوسعتهم جميعا، و كان أجلى ما في خلاله الوفاء، الوفاء الخالص المتصل، لأصدقائه ولداته، و العفاة المحرومين الذين اتصلوا به، و كان إلى جانب الوفاء الكرم و السماحة، كرم النفس، و سماحة الصدر إلى حد التضحية بكل نفيس في سبيل ذلك. و في جانب الوفاء و الكرم و السماحة و الحياء.
و من كلماته كلمة ألقاها بمناسبة اختياره رئيسا فخريا لجمعيات المحافظة على القرآن الكريم بعد وفاة الشيخ المراغي، قال فيها:
«القرآن مصقلة القلوب كما ورد في الحديث، و ما أحوج قلوبنا إلى ما يصقلها و يجلو منها الصدأ! و القرآن هدى و نور، فهل إلا القرآن لما بغشى العالم اليوم من ظلام و ضلال، و القرآن من بعد هذا ثقاف للألسن، يقوم عوجها، و يصلح عجمتها، و يغذى من البلاغة مادتها، فمن عمل على تنشئة أطفالنا على حفظ القرآن و ترتيله و مدارسته، فإنما يصلح القلوب، و يقوم الأخلاق، و يخدم العربية، و ما أشرف ذلك مقصدا و أعظمه نفعا!» و يتقاضانا الوفاء بمناسبة أول احتفال سنوي بعد وفاة الرئيس الفخري السابق رضى اللّه عنه أن نذكر مآثره الباقيات في خدمة القرآن الكريم: كان (رحمه اللّه) مسلما صادقا، و كان يحب القرآن حبا جما، و قد عنى في أكثر دروسه الدينية بالتفسير في أسلوب يلائم جلال كتاب اللّه، و يوطد أسباب فهمه لأذواق الأجيال الحاضرة، كما كان يصنع من قبل أستاذنا الإمام «الشيخ محمد عبده». و وجه الأزهر إلى العناية بالدراسات العالية لعلوم