الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٩٠ - الشيخ مصطفى عبد الرازق
و كان افتتاح مصطفى عبد الرازق لجلسات تلك الجماعة هو أشد ما يعجبني و يروعني، فهو لم يكن يزيد على أن يسمي اللّه و يقرأ الفاتحة، ثم تأخذ الجماعة فيما تريد أن تدير بينها من الحديث و أي افتتاح أبلغ و أوقع في القلوب من اسم اللّه و فاتحة الكتاب المجيد! و قد عرفت بعد ذلك أن مصطفى عبد الرازق كان يذهب في ذلك مذهب الوفاء الصادق لأستاذه الإمام الذي افتتح رسالته في التوحيد نفس هذا الافتتاح.
و إذا كان حب العلم و طلابه المخلصين هو الخصلة الأولى من الخصال التي لزمته حياته كلها، فخصلة الوفاء هي الخصلة الثانية من خصاله. فقد عرفته محبا للعلم و طلابه كأشد ما يكون الحب و أصدقه و أعمقه، يسعى إليهم و يقربهم منه و يؤثرهم بالخير و ينزلهم من نفسه مكانة الصديق، و عرفته كذلك وفيا لكل من أحب من الناس لا يفرق بينهم في ذلك مهما تكن الظروف و مهما يبعد بهم الزمان و المكان و مهما تلم الأحداث و تدلهم الخطوب.
كان وفيا للشافعي، (رحمه اللّه)، لأنه كان يذهب مذهبه في الفقه، و يرى الوفاء له دينا عليه. و من أجل ذلك ترجم رسالته و عني بدرسها و ترجمتها وقتا غير قصير. و أثر هذا الوفاء للشافعي في حياته العقلية نفسها و في نهجه الفلسفي تأثيرا شديدا، و فتح له أبوابا من العلم لم تفتح لأحد من قبله من علماء المسلمين. فدراسته لرسالة الشافعي في الأصول ألقت في روعه رأيا خصبا لم يستغله تلاميذه بعد، و أرجو أن يتاح لبعضهم تعمقه و استقصاء آثاره الخطيرة في تاريخ الحياة العقلية للمسلمين. فقد رأى أن الشافعي يفلسف في أصول الفقه و ما يتصل به من المشكلات المختلفة في الدين و اللغة و استنباط الأحكام من النصوص، فارتقى برأيه هذا إلى من سبق الشافعي من المفكرين المسلمين الذين لم يجادلوا في أصول الفقه وحدها، بل جادلوا في أصول الدين أيضا، فأولئك الزعماء القدماء للأحزاب الإسلامية الأولى. حين كانوا يجادلون في مذاهب أحزابهم و آرائها فيمن ثاروا بعثمان و من تابعوا عليا و من خاصموه و من وقف من هذه